Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 152

Contributors:

P.152
فحصلت الجناية الثانية والرقبة فارغة من جنايته متعلقة بها فصار بمنزلة الجناية المبتدأة فرق بين هذا وبين ما إذا حفر المكاتب بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها انسان ووجب عليه أن يسعى في قيمته يوم حفر ثم وقع فيها آخر انه لا يلزمه أكثر من قيمة واحدة سواء حكم الحاكم بالأولى أم لم يحكم ووجه الفرق ان هناك الجناية واحدة وهي حفر البئر فالضمان الذي يلزمه إنما يلزمه بسبب واحد فوقوع الثاني وإن كان بعد حكم الحاكم لكن بسبب سابق على حكمه فصار كأنه قتلهما دفعة واحدة فلا يلزمه الا قيمة واحدة فاما ههنا فقد تعددت الجناية والثانية حصلت بعد فراغ رقبته عن الأولى وانتقالها إلى ذمته فيتعدد السبب فيتعدد الحكم ولو سقط حائط مائل اشهد عليه على إنسان فقتله فعليه ان يسعى في قيمته لان المكاتب يملك النقض فيصح الاشهاد عليه كما في الحر ويجب عليه قيمة نفسه كما لو قتل آخر خطأ وكذلك إذا وجد في دار المكاتب قتيل فعليه ان يسعى في قيمته إذا كانت قيمته أكثر من الدية فينتقص منها عشرة دراهم فان جنى جنايات ثم عجز قبل ان يقضى بها دفعه مولاه بها أو فداه وان قضى عليه بالسعاية ثم عجز فهي دين في رقبته يباع فيه لأنه إذا لم يقض عليه لم تصر القيمة دينا في رقبته فهو عبد قن جنى جناية انه يخاطب مولاه بالدفع أو الفداء وإذا قضى عليه بالقيمة صار ذلك دينا في رقبته فإذا عجز صار حكمه حكم عبد لحقه الدين انه يباع أو يقضى السيد دينه هذا كانت جنايته عمدا بان قتل رجلا عمدا قتل به لأنه لو كان حر لقتل به فالمكاتب أولى هذا إذا جنى المكاتب على غيره فاما إذا جنى غيره عليه فإن كان خطأ فالأرش له وأرشه أرش العبد اما كون الأرض له فلان اجزاءه ملحقة بالمنافع وهو أحق بمنافعه وأما كون أرشه أرش العبد فلانه عبد ما بقي عليه درهم بالحديث فكانت الجناية عليه جناية على العبد فكان أرشها أرش العبيد وإن كان عمدا فالمسألة على ثلاثة أوجه في وجه يجب القصاص في قولهم وفى وجه لا يجب القصاص وفي وجه اختلفوا فيه أما الأول فهو أن يقتله رجل عمدا ولم يترك وفاء فللمولى أن يقتل القاتل لأنه لم يترك وفاء فقد مات عاجزا فمات عبدا والعبد إذا قتل عمدا يجب القصاص على قاتله إن كان عبدا بالاجماع وإن كان حر عندنا كذلك ههنا وأما الوجه الثاني فهو أن يقتل عمدا ويترك وفاء ويترك ورثة أحرارا سوى المولى فلا يجب القصاص لاشتباه ولى القصاص لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في أنه يموت حرا أو عبدا على ما نذكر إن شاء الله تعالى فمن قال مات حرا قال ولاية الاستيفاء للورثة ومن قال مات عبدا قال الولاية للمولى فاشتبه المولى فلم يجب القصاص فان قيل قياس هذه النكتة انه إذا اجتمع المولى والورثة ينبغي أن يجب القصاص لارتفاع الاشتباه عند الاجتماع كالعبد الموصى برقبته لانسان وبخدمته لآخر إذا قتل ان لهما أن يجتمعا فيقتلا وكذا العبد المرهون إذا قتل فاجتمع الراهن والمرتهن على القصاص ان لهما أن يستوفياه كذلك ههنا فالجواب ان المانع هو اشتباه المولى وهذا الاشتباه لا يزول بالاجتماع لان الولاية لأحدهما وهو المولى أو الوارث وهذا النوع من الاشتباه لا يزول اجتماعهما بخلاف مسألة الوصية لان هناك لا اشتباه فان الولاية لصاحب الرقبة لان الملك له وإنما لصاحب الخدمة فيها حق فإذا اجتمعا في الاستيفاء فقد رضى باسقاط حقه ويقول لصاحب الخدمة حقي قوى لشبهة الملك فصار بمنزلة عبد بين اثنين قتل فاجتمع الوليان على الاستيفاء بخلاف مسألة الرهن فان المستحق للقصاص هناك هو الراهن إذ الملك له الا أن للمرتهن فيه حقا فإذا رضى بالاستيفاء فقد رضى بسقوط حقه وهنا بخلافه على ما بيناه وأما الوجه الثالث فهو أن يقتل عمدا ويترك وفاء ولا وارث له سوى المولى فعلى قول أبي حنيفة وأبى يوسف يجب القصاص للمولى لأنه لا اشتباه ههنا لان القصاص يكون للمولى كيفما كان سواء مات حرا أو عبدا وقال محمد لا يجب لان المولى ان لم يشتبه فسبب ثبوت الولاية قد اشتبه لأنه ان مات حرا فالولاية تثبت بالإرث وان مات عبدا فالولاية تثبت بالملك والجواب عن هذا من وجهين أحدهما ان السبب لم يشتبه لان المسبب واحد وهو الملك والولاء أثر من آثار الملك والثاني ان سلمنا ان السبب قد اشبته لكن لا اشتباه في الحكم وهو الولاية لأنها ثابته بيقين فتثبت بأي سبب كان فان قتل ابن المكاتب أو عبده عمدا فلا قود عليه لان المكاتب وهو أبو المقتول أو مولى العبد لو عتق كان القصاص له ولو
بدائع الصنائع — Page 152 | أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (الكاشاني)