وَجَّهَ بِهَا إِلَى مَوْلَاهَا النُّهَيْكِيِّ وَجَزِعَ عَلَيْهَا جَزَعًا شَدِيدًا , فَلَمَّا صَارَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى النُّهَيْكِيِّ نَزَلَ بِهَا الْوَحْشَةُ لِمَوْلَاهَا مَا لَمْ تَسْتَطِعْ دَفْعَهُ وَلَا كِتْمَانَهُ , فَبَاحَتْ بِهِ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ :
[ البحر الطويل ]
أَتَانِي الْبَلَا حَقًّا فَمَا أَنَا صَانِعُ . . . أَمُصَطَبِرٌ لِلْبَيْنِ أَمْ أَنَا جَازِعُ
كَفَى حُزْنًا أَنَّى عَلَى مِثْلِ جَمْرَةٍ . . . أُقَاسِي نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَلْبُ نَازِعُ
فَإِنْ تَمْنَعُونِي أَنْ أَمُوتَ بِحُبِّهِ . . . فَإِنِّي قَتِيلٌ وَالْعُيُونُ دَوَامِعُ
فَبَلَغَ النُّهَيْكِيَّ شِعْرُهَا فَدَعَا بِهَا فَأَرَادَهَا فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ , وَقَالَتْ لَهُ : يَا سَيِّدِي , إِنَّكَ لَا تَنْتَفِعُ بِي قَالَ : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : لِمَا بِي قَالَ : وَمَا بِكِ , صِفِيهِ لِي قَالَتْ : أَجِدُ فِي أَحْشَائِي نِيرَانًا تَتَوَقَّدُ , لَا يَقْدِرُ عَلَى إِطْفَائِهَا أَحَدٌ , فَلَا تَسَلْ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ , فَرَحِمَهَا وَرَقَّ لَهَا , وَبَعَثَ إِلَى مَوْلَاهَا , فَسَأَلَ عَنْ خَبَرِهِ فَوَجَدَ عِنْدَهُ مِثْلَ الَّذِي عِنْدَهَا فَأَحْضَرَهُ , فَرَدَّ الْجَارِيَةَ عَلَيْهِ , وَوَهْبَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا خَمْسِينَ أَلْفًا , فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً , وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ خَبَرُهَا وَهُوَ بِخُرَاسَانَ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي السَّوْدَاءِ خَلِيفَتِهِ بِالْكُوفَةِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ , فَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ لِي مِنْ قِبَلِ الْجَارِيَةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لَهُ بِمَا مَلَكَتْهُ يَمِينُهُ , فَرَكِبَ أَبُو السَّوْدَاءِ إِلَى مَوْلَى الْجَارِيَةِ فَخَبَّرَهُ بِمَا كَتَبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ فَلَمْ يَجِدْ لَيْثٌ بُدًّا مِنْ عَرْضِهَا عَلَيْهِ وَهُوَ لِذَلِكَ كَارِهٌ , فَأَرَادَ أَبُو السَّوْدَاءِ يَعْلَمُ مَا عِنْدَ الْجَارِيَةِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ :
[ البحر البسيط ]
بَدِيعُ صَدٍّ قَرِيبُ هَجْرٍ . . . جَعَلْتُهُ مِنْهُ لِي مَلَاذَا
فَأَجَابَتْهُ الْجَارِيَةُ :
فَعَاتَبُوهُ فَزَادَ شَوْقًا . . . فَمَاتَ عِشْقًا فَكَانَ مَاذَا
فَعَلِمَ أَبُو السَّوْدَاءٍ أَنَّهَا تَصْلُحُ , فَاشْتَرَاهَا بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ , فَخَرَجَ بِهَا وَحَمَلَهَا
اعتلال القلوب — صفحة 266
مساهمون: أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي
ص٢٦٦