تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعتلال القلوب — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
وَكَدَّرَ عَلَيَّ عَيْشِي . فَقَالَتْ : امْضِ إِلَى مَالِكَ ، وَإِلَّا أَنْبَهْتُ إِخْوَتِي فَقَتَلُوكَ . فَقَالَ لَهَا : إِنَّ الْقَتْلَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الَّذِي أَنَا فِيهِ . قَالَتْ : وَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا أَنَا فِيهِ مِنْ حُبِّكِ . قَالَتْ لَهُ : فَمَا تَشَاءُ ؟ قَالَ : أَمْكِنِينِي مِنْ يَدَيْكِ حَتَّى أَضَعَهَا عَلَى قَلْبِي ، وَلَكِ عَهْدُ اللَّهِ أَنِّي أَرْجِعُ . فَفَعَلَتْ . فَرَجَعَ ، فَلَمَّا كَانَتْ لِلْقَابِلَةِ عَاوَدَ فَوَجَدَهَا عَلَى مِثْلِ حَالِهَا ، فَقَالَتْ لَهُ كَقَوْلِهَا الْأَوَّلِ ، فَقَالَ : أَمْكِنِينِي مِنْ شَفَتَيْكِ حَتَّى أَرْشِفَهَا وَأَنْصَرِفَ . فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِنْهُ كَهَيْئَةِ النَّارِ ، فَأَقْبَلَتْ تَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فَنَدَرَ بِهِ حَيُّهَا وَإِخْوَتُهَا ، فَقَالُوا : مَا لِهَذَا الْكَلْبِ قَدْ أَطَالَ الْمُكْثَ فِي الْخَيْلِ وَهُوَ يَتَخَطَّانَا ؟ فَقَعَدُوا لِطَلَبِهِ فِي لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ . وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ الْقَوْمَ يُرِيدُونَكَ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ ، وَإِيَّاكَ وَالْغَفْلَةَ . فَجَاءَتِ السَّمَاءُ بِمَطَرٍ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِهِ ، ثُمَّ انْجَلَتِ السَّحَابُ وَطَلَعَ الْقَمَرُ فَتَطَيَّبَتِ الْجَارِيَةُ وَنَشَرَتْ شَعْرَهَا ، وَأُعْجِبَتْ بِنَفْسِهَا ، وَاشْتَهَتْ أَنْ يَرَاهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَقَالَتْ لِتِرْبٍ لَهَا قَدْ كَانَتْ أَطْلَعَتْهَا عَلَى شَأْنِهَا : يَا فُلَانَةُ ، أَسْعِدِينِي عَلَى الْمُضِيِّ إِلَيْهِ ، فَخَرَجَتَا يُرِيدَانِهِ وَهُوَ عَلَى الْخَيْلِ خَائِفٌ مِنَ الطَّلَبِ لَمَّا حَذَّرَتْهُ . فَبَصُرَ شَخْصَيْنِ يَسِيرَانِ فِي الْقَمَرِ ، فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهُمَا مِنَ الْمُطَالِبِينَ ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا فَمَا أَخْطَأَ قَلْبَ صَاحَبْتِهِ ، فَسَقَطَتْ لِوَجْهِهَا مُضَرَّجَةً بِدَمِهَا ، فَلَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَتْ ، فَبُهِتَ شَاخِصًا يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : [ البحر الكامل ] نَعَبَ الْغُرَابُ بِمَا كَرِهْ . . . - تُ وَلَا إِزَالَةٌ لِلْقَدَرْ تَبْكِي وَأَنْتَ قَتَلْتَهَا . . . فَاصْبِرْ وَإِلَّا فَانْتَحِرْ ثُمَّ جَمَعَ نَبْلَهُ فَجَعَلَ يُجَابِهَا أَوْدَاجَهُ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ " آخر الجزء الرابع / والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله 171 أجمعين واتفق الفراغ منه في سابع عشر من صفر سنة خمس وستين وستمائة هجرية بصخرة بيت المقدس أعاد الله على المسلمين من بركتها .