تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى مذهب الحق من أصول التوحيد — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
فِي حُدُوث الْحَوَادِث فَإِن غالبه بَاطِل لِأَنَّهَا لم تصح مِنْهُ الْمُقدمَات فَدلَّ الضعْف والاختلاف على ضعف الْقَوَاعِد لَا على دقتها وَلذَلِك لَا يخْتَلف أهل الْحساب الدَّقِيق فِي الْفَرَائِض وَقِسْمَة الْمَوَارِيث فِي المناسخات وَنَحْوهَا مَعَ دقته وَلذَلِك لَا تخْتَلف عُلَمَاء الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان فِي كل دَقِيق بل يتفقون حَيْثُ تكون الْمُقدمَات صَحِيحَة وَإِن دقَّتْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا حَيْثُ تكون الْمُقدمَات ظنية بل المتكلمون فِي الْحَقِيقَة كَذَلِك لكِنهمْ إِنَّمَا يتفقون فِي أُمُور يسْتَغْنى فِي مَعْرفَتهَا عَن علم الْكَلَام وَعَن مَعْرفَتهَا فِي علم الْكَلَام ثمَّ يختصون من بَين أهل الْعُلُوم بِدَعْوَى الْقطع فِي مَوَاضِع الظنون وتركيب التعادي والتأثيم والتكفير على تِلْكَ الدَّعَاوَى إِلَّا أفرادا من أئمتهم وأذكيائهم توغلوا حَتَّى فَهموا أَنهم انْتَهوا إِلَى محارات مُنْتَهى الْعُقُول فِيهَا الْميل إِلَى إمارات ظنية فَرَجَعُوا إِلَى التَّسْلِيم وَترك التَّكْفِير كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك عَنْهُم ونصوصهم فِيهِ وَمن العبر الجلية فِي هَذَا للمتأملين أَن أهل الدُّنْيَا الموصوفة بِأَنَّهَا لعب وَلَهو ومتاع قد اتقنوا مَوَازِين معرفَة الْحق من الْبَاطِل فِيمَا بَينهم وتمييز يسير الحيف فِي ذَلِك حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد تَدْلِيس الْبَاطِل مَعَ وزنهم وتمييزهم لذَلِك بِتِلْكَ الموازين الموصلة إِلَى الْعلم الْيَقِين الْقَاطِع لَا مَكَان اللجاج وَالْخلاف من الْمُخَالفين فَلَو اسْتَطَاعَ أهل الْكَلَام أَن يضعوا فِي أُمُور الدّين المهمة مَوَازِين حق تميز الْحق من الْبَاطِل على وَجه وَاضح يقطع الْخلاف ويشفي الصُّدُور مثل مَوَازِين أهل الدُّنْيَا مَا كَرهُوا ذَلِك وهم لَا يتهمون بالتقصير فِي ذَلِك وَإِنَّمَا أَتَوا من أَنهم تركُوا الاعتماد على تعلم الْحق من الْكتاب الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه الَّذِي أنزلهُ من أنزل الْمِيزَان ليتعرف بِهِ الْحق بعد دلَالَة الإعجاز على صدقه كَمَا يعرف الْحق فِي الْأَمْوَال بالميزان بعد دلَالَة الْعقل على صِحَّته وَلذَلِك جَمعهمَا الله تَعَالَى فِي قَوْله { الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان } أنزل الْكتاب لتعريف الْحق الديني وَالْمِيزَان لتعريف الْحق الدنيوي فَترك الْأَكْثَرُونَ الاعتماد عَلَيْهِ لما سَنذكرُهُ من الْأَسْبَاب الَّتِي ظَهرت فِي أعذار