وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ قَالُوا : مَا أَحَدٌ إِلا وَلَهُ مِنَ الدُّنْيَا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ ، وَلا يَفُوتُهُ مَا قُسِمَ لَهُ . فَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ ثَوَابُ الدُّنْيَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَا قُدِّرَ لَهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَشَاؤُهُ اللَّهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ } 1 وَلَمْ يَقُلْ يُؤْتِهِ مِنْهَا مَا يَشَاءُ هُوَ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : ( لِمَنْ يُرِيدُ ) 2 أَنْ يَفْتِنَهُ أَوْ يُعَاقِبَهُ .
وَذَهَبَ السُّدِّيُّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ 3 بِقَوْلِهِ : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ } وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مَنْ يَفْهَمُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .
ذِكْرُ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ } 4
الْجُمْهُورُ عَلَى إِحْكَامِ هَذِهِ الآيَةِ ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الأَمْرَ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى وَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف 5 .
هامش
1 الآية ( 18 ) من سورة الإسراء .
2 في ( م ) : لم يريد ، وفي ( ه - ) : لم يرد ، كلاهما خطأ والصواب ما أثبت كما يظهر من السياق .
3 قلت : أورد هبة الله في ناسخه ( 30 ) هذه الآية مع الآيات المنسوخة ، وأعرض غيره من علماء النسخ والتفسير عن إدخالها ضمن الآيات المنسوخة . وأما المؤلف رحمه الله فقد أورد في تفسيره شبيهاً لما ذكر هنا مناقشة ورداً . انظر : زاد المسير 1 / 470 .
4 الآية ( 186 ) من سورة آل عمران .
5 قلت : عد هذه الآية من المنسوخ هبة الله في المصدر السابق . وأما المؤلف فقد سلك في تفسيره عند ذكر هذه الآية مسلكه هنا .
والذي يظهر أنه مع الجمهرر ، وسكوته يدل على أن مثل هذه الدعوى لا يحتاج إلى الردّ . لأن من المعلوم لدى الجميع أن كلاً من الصبر والتقوى مطلوب من المسلمين في القتال وغير القتال فلا وجه للنسخ . انظر : زاد المسير 1 / 520 .