قَالَ الْمُهَلَّبُ :
فَصَحَّ بِهَذَا الاعْتِبَار أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الكِرَاءِ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ لِلْغَرَرِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَلِاسْتِدَامَةِ الْمُكَارَمَةِ ، فَإِذَا ارْتَفَعَ الْغَرَرُ وَلَمْ تَسْمَحْ النُّفُوسُ بِالْمُكَارَمَةِ فِي الْمَنِيحَةِ جَازَ كِرَاؤُهَا بِالدَّرَاهِمِ وَبِالنَّصِيبِ مِنْ الإِصَابَةِ إِذْ لاَ غَرَرَ فِيهِ كَمَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ كُلِّ بَيْتِ هِجْرَةٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَمِنْ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ وَهُمْ الْقُرُونُ الْمَمْدُوحَةِ ، خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ .
لَكِنَّ مَالِكًا رَضِيَ الله عَنْهُ لَمَّا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ أَوْجُهُ أَحَادِيثِ رَافِعٍ كَمَا أَشْكَلَتْ عَلَى عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رَأَى أَنْ يَقْتَدِي بِهِ رَضِيَ الله عَنْهُ , وَيُلْزِم النَّاسَ مِنْ ذَلِكَ مَا الْتَزَمَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ بَنِيهِ ، فَكَانَ سَالِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ بَنِيهِ يُكْرِي الأَرْضَ وَلاَ يَنْهَاهُمْ .
ثُمَّ زَادَ مَالِكٌ بِأَنْ َخَشِيَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مِنْ طَرِيقِ الْمُزَابَنَةِ فَمَنَعَ مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِشَيْءٍ مَمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَفِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أُِسْوَةٌ فِي الْعَمَلِ بَالنَّصِيبِ ، وَفِي وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُما خَيْرُ قُدْوَةٍ , وَالله يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ لَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى ( 1 ) .
هامش
( 1 ) العلل الواردة في حديث رافع التي من أجلها نهى عن المكاراة خمسة ، وقد بينها ابن المنذر فقَالَ : اختلفت ألفاظ أحاديث رافع ، واختلفت فيها العلل التي من أجلها نهى عن كراء الأرض وعن المخابرة ، فأحد تلك العلل : اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية منها .
وعلة ثانية : وهو اشتراطهم الأكار أن ما سقى الماذيان والربيع فهو لنا ، وما سقت الجداول فهو لكم .
وعلة ثالثة : وهى إعطاؤهم الأرض على الثلث والربع والنصف .
وعلة رابعة : وهو أنهم كانوا يكرونا بالطعام المسمى والأوسق من الثمر .
وعلة خامسة : وهى أن نهيه عن ذلك عليه السلام كان لخصومة وقتال كان بينهم اه
فهذه المعاني أتى بها رافع فِي حَدِيثِهِ ، إلا الخامس فهو في مرسل عروة بن الزبير ، وفي بعض ألفاظ رافع إشارة له ، وحاصل كلام المهلب أن النهي ليس على التحريم ، وأن الترك أورع .
وهذا المعنى الذي ذهب إليه هو مذهب البخاري فيما يظهر ، يفهم ذلك من تراجمه على الحديث ، أما المكارمة التي أخبر بها المهلب فهي ما عناه البخاري فِي بَابِ مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ ، ويفهم من تصديره لباب المزارعة بالشطر ونحوه أنه لا يرى بأصل الكراء بأسا ، والله أعلم .