أَدَاءَها عَنْهُ ، وَيُخْبرُهمْ أَنَّ عَلَيهِمْ أَدَاءَ دَيْنِ المُفْلِسينَ مِنْ بَيْتِ المَالِ كَمَا كَانَ تَأَوَّلَ ، حَتَّى أَدَّى عَنْهُ بَعضُ بَنِي مَرْوانَ مَالًا عَظِيمًا ثُم وَهَبَهُ مَالًا آخَرَ لِيَتَصَاوَنَ بِهِ ، فَلَمَّا خَرَجَ بِهِ قَالَ لَهُ غُلامٌ لَهُ : يَا مَوْلايَ خُذْ بِالحَزْمِ فِي هَذَا المَالِ وَلا تُبَذِّرْهُ وَلا تُحْوِجْ نَفْسَكَ إِلَى سُؤالِ المُلُوكِ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الكَرِيمَ لا تُحْكِمْهُ التَّجَارِبُ .
وَلَيْسَ الأَمْرُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ شِهَابٍ , وَإِنَّمَا مَعْنَى الآيةِ وَالله أَعْلَمُ أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا نَسَخَ التَّبَنِّيَ الَّذِي كَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِهِ ، وَالأُخُوَّةَ الَّتِي كَانَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤاخِي بِهَا بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ اسْتِئْلافا لِلنّفُوسِ وَتَعْوِيضًا لِلْمُهَاجِرينَ عَمَّا تَرَكُوا مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَهْلِ المَوْروثِينَ ، فَكَانَ يُؤاخِي بَيْنَ المُهَاجِرِيِّ وَالأَنْصَارِيِّ لِيُؤْنِسَهُ ، فَيُعَوِّضهُ مَا تَركَ مِنْ عَصَبتهِ وَمَالهِ ، فَلَمَّا كَثُرَ عَدَدُ المُسلِمِينَ وَظَهَرَ الإسْلامُ نَسَخَ الله ذَلكَ بَأَنْ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } ، فَكَانَ مِنْهُم زَيْدُ بنُ حَارِثَة الَّذِي كَانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَبَنَّاهُ ، وَكَانَ يُدْعَا زَيْدُ بنُ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ تَعَالَى { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } مَعَ قَوْلِهِ { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } يُريدُ - وَالله أَعْلَمُ - : وَقَدْ تَرَكُوا التَّبَنِّي وَالْمُوَارَثَةَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَأنْتُم أَوْلَى أَنْ تَتَرُكُوا التَّبَنِّي وَالإخَاءَ الَّذِي كُنْتُم تَتَوَارَثُونَ بِهِمَا ، إِذْ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنْ الْمُؤمِنِينَ الْمُهَاجِرِينَ إِلاَ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيائِكُمْ مَعْروفًا مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَالعْونِ والرّفَادَةِ ، وَالوَصيةِ بَعْدَ الوَفَاةِ .
هَذَا مَعْنَى الآيةِ عِنْدَ حُذَّاقِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ , وَلَمْ يَتَوَجَّهْ لابْنُ شِهَابٍ الأَمْرَ عَلَى مَا نَزَلَتْ فِيهِ الآيةُ فَسَبَقَ إِلَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْفُتُوحِ وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ
اختصار الصحيح البخاري ( المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح ) — صفحة 113
مساهمون: المهلب بن أبي صفرة التميمي المالكي الأندلسي
ص١١٣