أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة ، فقال : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع . ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده .
فقد كره مالك رحمه الله هذا وبين أنه لم يبلغه / هذا عن أهل العلم بالمدينة ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة ، وأن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر ، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم ، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار ، فإذا لم يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور ، بل يستحب عند جمهور العلماء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ، فأهل المدينة أولى ألا يكره بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن قبر النبي صلى الله عليه وسلم خص بالمنع شرعًا وحسًّا كما دفن في الحجرة ، ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر ، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس كذلك ، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن ، وهذا لعلو قدره وشرفه ، لا لكون أن غيره أفضل منه ، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلاً عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها .
ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون : إذا كنت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين ؟ وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقًا هو من باب الإكرام والتعظيم له والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد ، وظنوا أن ترك الزيارة له فيها تنقص لكرامته فغلطوا وخالفوا الكتاب
الإخنائية أو الرد على الإخنائي — صفحة 274
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٤