وتَشاهَدوا له بالفضْل ، ثم جَعلوه كذلك من أجلِ " النظْم " خصوصاً ، دونَ غيرهِ مما يُستحسَنُ له الشعرُ أو غيرُ الشعر ، من معنى لطيفٍ أو حكمةٍ أو ادبٍ أو استعارةٍ أو تجنيسٍ أو غيرِ ذَلك مما لا يَدخلُ في النَّظم ، وتأَمَّلهْ 1 ، فإِذا رأيتَكَ قدِ ارتحْتَ واهتززْتَ واستحسنْتَ ، فانظرْ إِلى حرَكات الأريحيَّةِ ممَّ كانتْ ؟ وعندَ ماذا ظهرَتْ ؟ فإِنك تَرى عِياناً أَنَّ الذي قلتُ لك كما قلتُ . اعمد إلى قول البحتري :
بَلَوْنا ضَرائبَ مَنْ قد نَرى . . . فَما إنْ رأَينا لِفتح ضَريبا
هُوَ المرءُ أَبْدتْ له الحادِثاتُ . . . عَزْما وَشِيكا ورأيا صَليبا
تنقَّلَ في خْلُقَيْ سُؤْدُدٍ . . . سَماحاً مُرجَّى وبَأساً مَهيبا
فكالسَّيفِ إنْ جئتَه صارِخاً . . . وكالبَحْر إِن جئتَه مُسْتثيباً 2
فإِذا رأيتَها قد راقَتْك وكثرتْ عندك ، ووَجدْتَ لها اهتزازاً في نفسك ، فعُدْ فانظرْ في السَّببِ واستقْصِ في النَّظر ، فإِنك تَعلمُ ضرورةً أنْ ليس إلاَّ أَنه قدَّم وأخَّر ، وعرَّف ونَكَّر ، وحذفَ وأضمرَ ، وأعادَ وكرَّر ، وتوخَّى على الجُملةِ وجْهاً منَ الوُجوهِ التي يَقْتضيها " علْمُ النحو " ، فأصاب في ذلك كلِّه ، ثم لَطُفَ مَوضعُ صَوابه ، وأتى مأتًى يُوجِبُ الفضيلةَ .
أفلا تَرى أنَّ أولَ شيءٍ يَروقُك منها قولُه : " هو المرء أبدت لها الحادثات " ثم قولُه : " تنقَّل في خُلْقَيْ سؤددِ " بتنكير " السؤدد " وإضافة " الخُلُقين " .
هامش
1 - السياق : " فاعمد إلى ما تواصفوه . . . . وتأمله " .
2 في ديوانه ، في الفتح بن خاقان ، " الضرائب " جمع " ضريبة " ، وهي الطيبعة والخلق .
و " الضريب " ، المثيل والشبيه . و " المستثيب " طالب الثواب .