621 - تقريرٌ لذلك بعبارة أخرى :
لا يتصوَّر أن تَفْتَقِرَ المعاني المدلولُ عليها بالجمل المؤلَّفة إلى دليلٍ يدُلُّ عليها زائدٍ على اللفظ . كيف ؟ وقد أجمعَ العقلاءُ على أن العِلْمَ بمقاصِد الناس في محاوراتِهم علمُ ضرورةٍ ، ومن ذَهَب مذهباً يقتضي أن لا يكونَ " الخبرُ " معنى في نفسِ المتكلِّمِ ، ولكن يكونُ وصفاً للفظ من أجلِ دلالتِه على وجودِ المعنى من الشيءِ أو فيه ، أو انتفاءِ وجودِه عنه ، كان قد نقضَ منه الأصْلَ الذي قَدَّمناه ، من حيثُ يكونُ قد جعلَ المعنى ، المدلول عليه باللفظ ، لا يعرفُ إِلا بدليلٍ سوى اللفظِ . ذاك لأنَّا لا نعرفُ وجودَ المعنى المُثْبَتِ وانتفاءَ المنفيِّ باللفظ ، ولكنا نَعْلَمُه بدليلٍ يقومُ لنا زائدٍ على اللفظِ . وما منْ عاقلٍ إِلاّ وهو يعلمُ ببديهةِ النظر أن المعلومَ بغيرِ اللفظ ، لا يكونُ مدلولَ اللفظ .
622 - طريقة أخرى : الدلالةُ على الشيء هي لا محالة إِعلامُك السامعَ إِياه ، وليس بدليلٍ ما أنتَ لا تعلمُ به مدلولاً عليه . وإِذا كان كذلك ، وكان مما يُعْلم ببدائه المعقولِ أن الناسَ إِنما يكلِّم بعضُهم بعضاً ليعرفَ السامع غرض المتكلم ومقصوده ، فينبغي أن يَنْظُرَ إِلى مقصودِ المُخْبر من خببره ، ما هو ؟ أهو أن يعلم السامع المخبر به والمخبر عنه ، أم أن يعلمَه إثبات المعنى المخبرَ به للمخبَرِ عنه ؟
فإِنْ قيلَ : إِن المقصودَ إِعلامُه السامعَ وجودَ المعنى من المخبر عنه ، فإِذا قال : " ضربَ زيدٌ " كان مقصودُه أن يُعلمَ السامعَ وجودَ الضرب من زيدٍ ، وليس الإثبات لا إِعلامَه السامعَ وجودَ المعنى .
قيل له : فالكافرُ إِذا أثبتَ مع الله ، تعالى عما يقول الظالمون ، إلهاً آخر ،
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 530
مساهمون: عبد القاهر الجرجاني
ص٥٣٠