ولما كان الأمرُ كذلكَ ، أَوجَبَ ذلك أنْ لا يُعْقَلَ إلاَّ من مجموع جملةِ فعْلٍ واسمٍ كقولِنا : " خرجَ زيدٌ " ، أو اسمٍ واسْمٍ ، كقولنا : " زيد منطلق " ، فليس في الدنيا خير يعرف من غير هذا السبيل ، ويبغير هذا الدليلِ . وهو شيء يعرفُه العقلاء في كل جبل وأمة ، وحكمٌ يجري عليه الأمرُ في كلِّ لسان ولغة .
لابد للخبر من مخبر به ، يوصف هو بالصدق والكذب :
617 - وإِذْ قَدْ عَرَفْتَ أنه لا يُتصوَّر الخبرُ إِلاّ فيما بينَ شيئين : مخبرٍ به ومخبرٍ عنه ، فينبغي أن تعلم أنهُ يحتاجُ مِنْ بَعد هذين إِلى ثالثٍ . وذلك أنه كما لا يتصوَّر أن يكونَ ههنا خبرٌ حتى يكونَ مخبَرٌ به وَمُخبرٌ عنه ، كذلك لا يُتصوّر أن يكونَ خبرٌ حتى يكونَ له " مُخبِرٌ " يصدرُ عنه ويحصلُ من جهته ، ويكونَ له نِسبةٌ إِليه ، وتعودُ التَّبعةُ فيه عليه ، فيكونَ هو الموصوفَ بالصدق إِن كان صدقاً ، وبالكَذِب إِن كان كَذباً . أفلا تَرى أن من المعلوم أنه لا يكون إِثباتٌ ونفيٌ حتى يكونَ مثبتٌ ونافٍ يكون مصدرُهما من جهته ، ويكون هو المُزْجِيَ لهما ، والمبرم والنقاض فيهما ، ويكونَ بهما مُوافقاً ومُخالفاً ، ومصيباً ومخطئاً ، ومحسناً ومسيئاً 1 .
618 - وجملةُ الأمرِ ، إنَّ " الخبرَ " وجميعَ الكلامِ ، معانٍ ينشِئُها الإِنسانُ في نفسهِ ، ويُصرِّفها في فكره ، ويناجي بها قلبه ، ويارجع فيها عقلَه ، وتوصَفُ بأنَّها مقاصدُ وأغراضٌ ، وأعظمُها شأناً " الخَبرُ " ، فهو الذي يُتصوَّر بالصُوَرِ الكثيرة ، وتقعُ فيه الصناعاتُ العجيبةُ ، وفيه يكونُ ، في الأمرِ الأعمِّ ، المزايا التي بها يقعُ التفاضلُ في الفصاحَةِ ، كما شرحنا فيما تقدَّم ، ونشرحُه فيما تقول من بعد إن شاء الله تعالى 2 .
هامش
1 انظر الفقرة التالية رقم : 638 .
2 انظر الفقرة التالية رقم : 639 ، والفقرة : 641 .