تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
إِنَاثًا } [ الزخرف : 19 ] ، فقد تَرى في التفسيرِ أنَّ " جعلَ " يكون بمعنى " سمَّى " ، وعلى ذاك فلا شبْهةَ في أنْ ليس المعنى على مجرَّدِ التسمية ، ولكنْ على الحقيقة التي وصفْتُها لكَ . وذاكَ أنَّهم اثْبَتوا للملائكةِ صفةَ الإناثِ واعتقدوا وُجودَها فيهم ، وعن هذا الاعتقادِ صدرَ عنهم ما صدَر من الاسْم أعني إطلاقَ اسْمِ " البنات " وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظَ " الإناثِ " ولفظَ " البناتِ " ، من غير اعتقادِ معنى وإثباتِ صفةٍ . هذا محالٌ . 517 - أوَ لا تَرى إلى قولهِ تعالى : { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلون } [ الزخرف : 19 ] ، فلو كانوا لم يَزيدوا على إجراءِ الاسْمِ على الملائكة ، ولم يَعتِقدوا إثباتَ صفةٍ لما قال الله تعالى : { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } . هذا ولو كانوا لم يَقْصِدوا إثباتَ صفةٍ ، ولم يكنْ غيرَ أن وَضَعوا اسْماً لا يُريدونَ به معنىً ، لَمَا استحقُّوا إلاَّ اليسيرَ من الذَّم ، ولما كان هذا القولُ منهم كُفْراً . والتفسيرُ الصحيحُ والعبارةُ المستقيمةُ ، ما قاله أبو إسحاقٍ الزجَّاج رحِمَه الله ، فإِنه قال : إن " الجعلَ " ههنا في معغنى القَوْلِ والحُكْمِ على الشيء ، تقول : " قد جَعَلْتُ زيداً أعلمَ الناسِ " ، أي وصفْتَه بذلك وحكمْتَ به 1 . تعرف " الاستعارة " من طريق المعقول دون اللفظ ، وكذلك " الكناية " : 518 - ونَرجع إلى الغرَض فنقولُ : فإِذا ثَبَتَ أنْ ليستِ " الاستعارةُ " نَقْلَ الاسْمِ ، ولكنْ ادعاءَ معنى الاسْم وكنَّا إذا عقَلْنا من قولِ الرجُلِ : " رأيتُ أسداً " ، أنه أرادَ به المبالَغَةَ في وصْفِه بالشجاعة ، وأنْ يقولَ : إنَّه مِنْ قُوَّةِ القلب ، ومن فَرْط البَسالةِ وشدَّة البطْشِ ، وفي أنَّ الخوفَ لا يخامِرُهُ ، والذُّعْرَ لا يَعْرِضُ
هامش
1 انظر الفقرة السالفة : 440 ، وما قبلها .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 439 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر