تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥

باب اللفظ والنظم

: بيان في " إنما " : فصل : هذا بيان آخر في " إنما " " إنما " تفيد إيجاب الفعل لشيء ، ونفيه عن غيره : 395 - اعْلَمْ أنها تفيدُ في الكلام بَعْدَها إيجابَ الفعلِ لشيءٍ ، ونَفْيَه عن غيرِه ، فإذا قلْتَ : " إنما جاءني زيدٌ " ، عُقِلَ منه أنكَ أرَدْتَ أن تنفي أن يكون الجاني غيرَه . فمعنى الكلامِ معَها شبيهٌ بالمعنى في قولك : " جاءني زيدٌ لا عمرو " ، إلا أنَّ لَهَا مزيَّةً ، وهي أنَّك تَعْقِلُ معها إيجابَ الفعلِ لشيءٍ ونفْيَه عن غيرِه دفعةً واحدةً في حالٍ واحدةٍ . وليس كذلك الأمرُ في : " جاءني زيد لا عمرو " ، فإنَّك تَعْقلُهما في حالين ومزيةً ثانية ، وهي أنها تَجْعلُ الأمرَ ظاهراً في أن الجاني " زيدٌ " ، ولا يكونُ هذا الظهورُ إذا جعلتَ الكلامَ " بلا " فقلتَ : " جاءني زيدٌ لا عمرُو " . تفسير أن " لا " العاطفة ، تنفي عن الثاني ما وجب للأول : 396 - ثم اعلمْ أنَّ قولَنا في " لا " العاطفةِ : " إنها تنفي عن الاثني ما وَجَب للأولِ " ، ليس المرادُ به أنها تنفي عن الثاني أنْ يكون قد شاركَ الأوَّلَ في الفعل ، بل أنها تنفي أن يكونَ الفعلُ الذي قلتَ إنه كانَ من الأول ، قد كان مِن الثاني دونَ الأولِ . ألاَ تَرى أنْ ليس المعنى في قولك : " جاءني زيدٌ لا عمروٌ " ، أنه لم يكُنْ مِن عمرو مجيءٌ إليك مثلُ ما كانَ من " زيدٍ " ، حتى كأنه عكسُ قولك : " جاءني زيدٌ وعمرو " ، بل المعنى أنَّ الجائي هو زيدٌ لا عمرو ، فهو كلامٌ تقولُه مع مَن يَغْلط في الفعل قد كانَ مِنْ هذا ، فيتوَهَّم أنه كان من ذلك .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 335 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر