تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
فيه وكثيرِه ، وأنْ ليس إلاَّ أنْ تَعلمَ أنَّ هذا التقديمَ وهذا التنكيرَ ، أو هذا العطْفَ أو هذا الفصْلَ حسَنٌ ، وأنَّ له موقعاً من النفسِ وحظَّا من القَبول ، فأمَّا أنْ تَعلم لمَ كان كذلك ؟ وما السَّبَبُ ؟ فَمِمَّا لا سبيلَ إِليه ، ولا مطمعَ في الاطِّلاعِ عليه ، فهو بتوانِيهِ والكَسل فيه ، في حُكْم مَنْ قالَ ذلك . 346 - واعلمْ أنه ليسَ إذا لم تمكن معرفةُ الكلِّ ، وجَبَ تركُ النظرِ في الكلِّ . وأنْ تعرفَ العلَّةَ والسببَ فيما يُمْكِنك معرفةُ ذلك فيه وإِنْ قلَّ فتجعلَه شاهداً فيما لم تَعْرِفْ 1 ، أحْرَى مِن أنْ تَسُدَّ بابَ المعرفة على نفسِك ، وتأْخذَها عن الفهم والتفهُّم ، وتعوِّدَها الكسَل والْهُوَيْنا . قال الجاحظُ : " وكلامٌ كثيرٌ قد جَرى على ألسنةِ الناس ، وله مَضَرّةٌ شديدةٌ وثمرةٌ مُرَّةٌ . فمِنْ أَضَرَّ ذلك قولُهم : " لم يَدَع الأولُ للآخِرِ شَيئاً " ، قال : فلو أنَّ علماءَ كلِّ عصر مذجرت هذه الكلمةُ في أسمْاعهم ، ترَكُوا الاستنباطَ لِمَا لَمْ يَنتهِ إِليهم عَمَّن قَبْلَهم ، لرأيتَ العِلم مُختلاًّ . واعلمْ أنَّ العلمَ إِنما هو معدِنٌ 2 ، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف وِقْرِ قد أُخرجَتْ من معدنِ تبْرٍ 3 ، أنْ تطلُبَ فيه ، وأن تأخُذَ ما تَجد ولو كَقَدْرِ تُومةٍ 4 ، كذلكَ ، ينبغي أن يكون رأيْكَ في طلبِ العلمِ " 5 . ومنَ الله تعالى نَسألُ التوفيق .
هامش
1 " وأن تعرف العلة " ، يعني " معرفتك العلة . . . . أحرى من النار تسد باب المعرفة " . 2 المعدن " هو الموضع الذي تستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة ، وهو الذي نسميه اليوم المنجم " . 3 في المطبوعة وحدها : " ألف وقر " و " الوفر " بكسر فسكون ، جمل ما يحمله البعير أو البغل . و " التبر " ، الذهب . 4 " التومة " ، حبة تعمل من الفضة كالدرة مستديرة . 5 نص الجاحظ هذا ، أعيان أن أقف عليه في كتبه التي بين يدي الآن .