ويُبَيِّنُ ذلك أنك تقولُ : " لكَ في هذا غِنًى " ، فتنكِّرُ إِذا أردتَ أن تَجْعل ذَلك من بعضِ ما يُسْتَغْنى به ، فإِنْ قلتَ : " لكَ فيه الغِنى " ، كان الظاهرُ أنك جعلتَ كلَّ غِناه به .
342 - وأمرٌ آخرُ ، وهو أنه لا يكون ارتداعٌ حتى يكونَ همٌّ وإرادةٌ وليس بواجبٍ أن لا يكونَ إنسانٌ في الدنيا إلاَّ وله عَدوٌّ يَهمُّ بقتله ثم يردَعُه خوفُ القِصاصِ . وإِذا لم يَجِبْ ذلك ، فمَن لم يَهُمَّ إِنسانٌ بقتلِه ، فكُفيَ ذلك الهَمَّ لخوفِ القصاصِ ، فليس هو ممَّن حَيِيَ بالقصاص . وإِذا دخَلَ الخصوصُ ، فقد وَجَبَ أن يقالَ " حياةٌ " ولا يقالَ " الحياةُ " ، كما وَجَبَ أن يقالَ " شفاءٌ " ولا يقالُ " الشفاءُ " في قولِه تعالى : { يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } [ النحل : 69 ] ، حيثُ لم يكن شفاءٌ للجميع .
343 - واعلمْ أنه لا يُتصوَّر أنْ يكونَ الذي هَمَّ بالقتلِ فلم يقْتُلْ خوفَ القِصاص داخلاً في الجملة 1 ، وأن يكونَ القِصاصُ أفادَهُ حياةً كما أفادَ المقصودَ قتلُه . وذلك أنَّ هذه الحياةَ إِنَّما هي لمن كان يَقْتُل لولا القِصاصُ ، وذلك محالٌ في صِفَةِ القاصِدِ للقتلِ ، فإِنما يَصِحُّ في وصفِه ما هو كالضدِّ لهذا ، وهو أن يقالَ : إِنه كان لا يُخافُ عليه القَتلُ لولا القصاصُ ، وإِذا كانَ هذا كذلكَ ، كان وجهاً ثالثًا في وجوب التنكير .
هامش
1 في هامش " ج " بخط الناسخ ، وهو من تعليقات عبد القاهر ، ما نصه :
" جملة الأمر أن المعنى على أن الهلاك انتفى على العموم بقتله ، من أجل خوف القصاص . ولا يتصور أن يقال : إن الهلاك انتفى عن الهام بقتل غيره من أجل خوف القصاص " .