تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
المعطوفُ شيئاً لا يكونُ حتى يكونَ المعطوفُ عليه ، ويكونَ الشرطُ لذلك سبباً فيه بوساطةِ كونه سبباً للأول 1 ، ومثالُه قولُك : " إذا رجَع الأَميرُ إلى الدار استأذنتهُ وخرجتُ " ، فالخروجُ لا يكونُ حتى يكون الاستئذانُ ، وقد صارَ " الرجوعُ " سَبباً في الخروج ، من أجلِ كونِه سبباً في الاستئذان ، فيكونُ المعنى في مثلِ هذا على كلامين ، نحوُ : " إذا رجَع الأميرُ استأذنتُ ، وإذا استأذنت خرجتُ " . وإذا قد عرفْتُ ذلك ، فإِنه لو عُطِفَ قولُه تعالى : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } على " قالوا " كما زعمتَ ، كان الذي يتصوَّرُ فيه أن يكونَ من هذا الضربِ الثاني ، وأن يكونَ المعنى : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } ، فإِذا قالوا ذلك استهزأَ اللهُ بهم ومدَّهم في طُغْيانِهم يَعْمَهون . وهذا وإن كان يُرَى أنه يَسْتَقيمُ ، فليس هو بمستقيمٍ . وذلك أنَّ الجزاءَ إنَّما هو على نَفْس الاستهزاءِ وفِعْلِهم له وإرادتهم إياه في قولهم : " آمنا " ، لا على أنهم حدثوا على أنفسهم بأنه مستهزؤون والعَطْفُ على " قالوا " يَقْتضي أَنْ يكونَ الجزاءُ على حديثهم عَنْ أنفسِهم بالاستهزاء ، لا عليه نفسِه . ويبيِّنُ ما ذكرناه مِنْ أنَّ الجزاءَ يَنْبغي أن يكونَ على قَصْدِهم الاستهزاءَ وفِعلهم له ، لا على حديثهم عن أنفسهم بأن مستهزؤون 2 أنَّهم لو كانوا قالوا لكُبرائهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } وهُم يريدونَ بذلكَ دَفْعَهم عَن أنفسِهم بهذا الكلام 3 ، وأنت يَسْلَموا من شَرِّهم ، وأنْ يوهموهُم أَنَّهم مِنْهم وإن
هامش
1 في المطبوعة وحدها : " بواسطة " . 2 السياق : " وبين ما ذكرناه . . . . أنهم لو كانوا . . " . 3 في " ج " : " دفعًا عن أنفسهم " .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 234 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر