وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ ، وَالْهِبَةُ وَالْمُحَابَاةُ وَصِيَّةٌ ، وَالْمُحَابَاةُ إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ فَهِيَ أَوْلَى ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ شَارَكَتْهُ ( سم ) ، وَمَنْ أَوْصَى بِحُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - قُدِّمَتِ الْفَرَائِضُ ،
شرح
عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْغَلَّةِ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهَا .
قَالَ : ( وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ ، وَالْهِبَةُ وَالْمُحَابَاةُ وَصِيَّةٌ ) تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعَاتٌ فِي الْمَرَضِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ فَتُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( وَالْمُحَابَاةُ إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ فَهِيَ أَوْلَى ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ شَارَكَتْهُ ) وَقَالَا : الْعِتْقُ أَوْلَى كَيْفَ كَانَ . وَصُورَةُ الْمُحَابَاةِ : أَنْ يَبِيعَ الْمَرِيضُ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِخَمْسِينَ ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي خَمْسِينَ بِمِائَةٍ فَالزَّائِدُ عَلَى قِيمَةِ الْمِثْلِ فِي الشِّرَاءِ وَالنَّاقِصُ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ وَهِيَ كَالْهِبَةِ فِي الْمَرَضِ فَاعْتُبِرَتْ وَصِيَّةً .
وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ : إِحْدَاهَا أَنْ يُحَابِيَ ثُمَّ يُعْتِقَ ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُعْتِقَ ثُمَّ يُحَابِيَ ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ يُعْتِقَ ثُمَّ يُحَابِيَ ثُمَّ يُعْتِقَ ، وَالرَّابِعَةُ أَنْ يُحَابِيَ ثُمَّ يُعْتِقَ ثُمَّ يُحَابِيَ . فَإِنْ خَرَجَ الْكُلُّ مِنَ الثُّلُثِ نَفَذَتْ وَلَا كَلَامَ فِيهَا وَلَا خِلَافَ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تُنَفَّذُ الْمُحَابَاةُ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْعِتْقِ ، وَقَالَا بِالْعَكْسِ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ يَشْتَرِكَانِ ، وَقَالَا : يُنَفَّذُ الْعِتْقُ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْمُحَابَاةِ ، وَفِي الثَّالِثَةِ يَصْرِفُ نِصْفَ الثُّلُثِ لِلْمُحَابَاةِ ؛ لِأَنَّهَا تُشَارِكُ الْعِتْقَ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْعِتْقُ الْأَوَّلُ قُسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ نِصْفَيْنِ ، وَفِي الرَّابِعَةِ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا ، ثُمَّ مَا أَصَابَ الثَّانِيَةَ قُسِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا فَيُشَارِكُهَا ، وَقَالَا : الْعِتْقُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ . لَهُمَا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَيَلْحَقُ الْمُحَابَاةَ فَكَانَ أَوْلَى . وَالتَّقَدُّمُ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّقَدُّمَ فِي الثُّبُوتِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ .
وَفِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِذَا كَانَ فِي الْوَصَايَا عِتْقٌ بُدِئَ بِهِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُحَابَاةَ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَكَانَ تَبَرُّعًا مَعْنًى لَا صُورَةً ، وَالْإِعْتَاقُ تَبَرُّعٌ صُورَةً وَمَعْنًى ، وَالْمُعَاوَضَاتُ أَقْوَى مِنَ التَّبَرُّعَاتِ ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْمُحَابَاةُ أَوَّلًا وَهِيَ أَقْوَى لَا يُزَاحِمُهُ الْأَضْعَفُ بَعْدَهَا لِقُوَّتِهِ وَسَبْقِهِ ، إِلَّا أَنَّ الْعِتْقَ إِذَا تَقَدَّمَ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ تَعَارَضَا فَيَسْتَوِيَانِ فَيَشْتَرِكَانِ .
قَالَ زُفَرُ : مَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصِي مِنْهُمَا فَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ بِدَايَتَهُ دَلِيلٌ أَنَّ اهْتِمَامَهُ بِهِ أَكْثَرُ فَكَانَ غَرَضُهُ تَقَدُّمَهُ فَيَتْبَعُ غَرَضَهُ ، وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ . وَلَوْ مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا فَقَالَ لِلْوَارِثِ : أَعْتَقَنِي أَبُوكَ ، وَقَالَ آخَرُ : لِي عَلَى أَبِيكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : صَدَقْتُمَا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ ، وَقَالَا : يُعْتَقُ مِنْ غَيْرِ سِعَايَةٍ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالدَّيْنَ ظَهَرَا مَعًا فِي الصِّحَّةِ بِتَصْدِيقِ الْوَارِثِ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ ، وَالْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ السِّعَايَةَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُعْتَقِ دَيْنٌ . وَلَهُ أَنَّ الدَّيْنَ أَقْوَى لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَأَبْطَلْنَاهُ مَعْنًى بِإِيجَابِ السِّعَايَةِ .
قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قُدِّمَتِ الْفَرَائِضُ ) لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنَ النَّوَافِلِ ; لِأَنَّ الْفَرَائِضَ تُخْرِجُهُ عَنِ الْعُهْدَةِ ، وَالنَّوَافِلُ