تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ . وَشِبْهُ الْعَمْدِ : أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ ( سم ) الْأَجْزَاءَ : كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ ،
شرح
لَا يَكُونُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَشَرِيعَةُ مَنْ تَقَدَّمَنَا تُلْزِمُنَا إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ ، وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يُنْسَخُ بِهَا الْكِتَابُ ، وقَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ } [ البقرة : 178 ] وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ لُغَةً ، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالنَّفْسِ لَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِ ، أَوْ نَقُولُ ذَكَرَ الْقِصَاصَ وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّيَةَ ، فَلَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ أَوِ الدِّيَةُ لَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ وَالْكِتَابُ لَا يُنْسَخُ بِهِ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْعَمْدُ قَوَدٌ » ، وَقَالَ : « كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ » وَقَدْ مَرَّ التَّمَسُّكُ بِهِ . قَالَ : ( أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - « وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِهِ » ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمُ الْعَفْوُ عَنْ نَصِيبِهِ ، وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ ، فَإِذَا صَالَحَ الْبَعْضُ أَوْ عَفَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَقَدْ سَقَطَ الْبَعْضُ فَيَسْقُطُ الْبَاقِي ضَرُورَةً ، وَإِذَا سَقَطَ انْقَلَبَ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِئَلَّا يَسْقُطَ لَا إِلَى عِوَضٍ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَلَا الْتَزَمَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الْقَاتِلِ فَصَارَ كَالْخَطَأِ ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي مِنْهُ شَيْءٌ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِعَفْوِهِ . قَالَ ( أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ) وَهَذَا لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ » ، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ ، فَأُورِثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ فَسَقَطَ ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ : ( وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُوجِبْهَا فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا كَمَا ذَكَرَهَا فِي الْخَطَأِ وَلِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ أَعْظَمُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِهَا لِلْأَدْنَى رَفْعُهَا لِلْأَعْلَى . قَالَ : ( وَشِبْهُ الْعَمْدِ : أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ ) وَقَالَا : إِذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ قَاصِرَةٌ فِيهِمَا لِمَا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ عَادَةً ، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ ، أَمَّا الَّذِي لَا يَلْبَثُ وَلَا يَتَقَاصَرُ عَنْ عَمَلِ السَّيْفِ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 24 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة