تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ ،
شرح
تُحْبَسُ الْجَلَّالَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَمْ يُوَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ وَقْتًا وَقَالَ : تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ وَالْجَلَّالَةُ : الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ ، فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ بِجَلَّالَةٍ ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : الدَّجَاجَةُ لَا تَكُونُ جَلَّالَةً لِأَنَّهَا تَخْلِطُ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إِذَا أَنْتَنَ وَتَغَيَّرَ وَوُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ فَهِيَ جَلَّالَةٌ لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا ، وَإِذَا حُبِسَتْ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ مَا فِي جَوْفِهَا يَزُولُ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّغَيُّرِ وَالنَّتْنُ ، وَلَمْ يُوَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى زَوَالِ النَّتْنِ وَجَبَ اعْتِبَارُ هَذَا الْمَعْنَى ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَالِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ : « أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَ يَأْكُلُهُ » وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ التَّقْدِيرِ بِالثَّلَاثَةِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ . [ كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ ] وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا : اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ أَيَّامَ النَّحْرِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - ، وَكَذَلِكَ الضَّحِيَّةُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا ، وَيُقَالُ أَيْضًا أَضْحَاةٌ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ » ، فَالْأَضْحَاةُ مَا يُذْبَحُ أَيَّامِ النَّحْرِ ، وَالْعَتِيرَةُ شَاةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ لِلصَّنَمِ فِي رَجَبٍ نُسِخَتْ وَبَقِيَتِ الْأُضْحِيَّةُ ، وَهِيَ مِنْ أَضْحَى يُضْحِي إِذَا دَخَلَ فِي الضُّحَى ; لِأَنَّهَا تُذْبَحُ وَقْتَ الضُّحَى فَسُمِّي الْوَاجِبُ بِاسْمِ وَقْتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . قَالَ : ( وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ ) ، أَمَّا الْوُجُوبُ فَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا وَاخْتَارَهُ رَضِيُّ الدَّيْنِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا سُنَّةً قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ : الْوِتْرُ وَالضُّحَى وَالْأَضْحَى » وَفِي رِوَايَةٍ : « وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ » ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَاهَا النَّاسُ وَاجِبَةً ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمُسَافِرِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالزَّكَاةِ ، إِذِ الْوَاجِبَاتُ الْمَالِيَّةُ لَا تَأْثِيرَ لِلسَّفَرِ فِيهَا ، وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ قَوْله تَعَالَى : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [ الكوثر : 2 ] أَمَرَ بِنَحْرٍ مَقْرُونٍ بِالصَّلَاةِ وَلَا ذَلِكَ إِلَّا الْأُضْحِيَّةَ ، فَلَئِنْ قَالَ : الْمُرَادُ أَخْذُ الْيَدِ بِالْيَدِ عَلَى النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ . قُلْنَا هَذَا أَمْرٌ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلَا وُجُوبَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « ضَحُّوا فَإِنَّهَا سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ » أَمْرٌ وَأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا » عَلَّقَ الْوَعِيدَ بِتَرْكِ