وَيُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ضِعْفُ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَيُضَعَّفُ عَلَيْهِمُ الْعُشْرُ ، وَمَوْلَاهُمُ فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ ، وَتُصْرَفُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمِنَ الْأَرَاضِي الَّتِي أُجْلِيَ أَهْلُهَا عَنْهَا ، وَمَا أَهْدَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ إِلَى الْإِمَامِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيهِمْ ، وَسَدِّ الثُّغُورِ ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ ، وَإِعْطَاءِ الْقُضَاةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفْتِينَ وَالْعُمَّالِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ .
شرح
وَالْغِنَاءِ وَكُلِّ لَهْوٍ مُحَرَّمٍ فِي دِينِهِمْ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَبَائِرُ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ لَمْ يُقَرُّوا عَلَيْهَا بِالْأَمَانِ ، وَإِنْ حَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ لَا يُخْرِجُونَ فِيهِ صُلْبَانَهُمْ ، وَلْيَصْنَعُوا ذَلِكَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَلَا يُخْرِجُوهُ مِنَ الْكَنَائِسِ حَتَّى يَظْهَرَ فِي الْمِصْرِ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَفِي إِظْهَارِهِ إِعْزَازٌ لِلْكُفْرِ ، وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ الْكُفْرِ فِيهَا ، وَعَلَى هَذَا ضَرْبُ النَّاقُوسِ يَفْعَلُونَهُ فِي الْكَنَائِسِ لِمَا قُلْنَا ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إِظْهَارِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَيُمْنَعُ مِنْهُ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي ، وَكَذَلِكَ فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ لِمَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( وَيُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى بَنِيَ تَغْلِبَ ضِعْفُ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ ، وَيُضَعَّفُ عَلَيْهِمُ الْعُشْرُ ) لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ ضِعْفَ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ ، فَلِهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ دُونَ صِبْيَانِهِمْ ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ صِبْيَانِهِمْ .
قَالَ : ( وَمَوْلَاهُمْ فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ ) لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ مَعَ التَّغْلِبَيِّ تَخْفِيفًا فَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْمَوْلَى ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى مَوْلَى الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَ نَصْرَانَيًّا .
قَالَ : ( وَتُصْرَفُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمِنَ الْأَرَاضِي الَّتِي أُجْلِيَ أَهْلُهَا عَنْهَا وَمَا أَهْدَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ إِلَى الْإِمَامِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ) لِأَنَّهُ مَالٌ وَصَلَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَيَكُونُ لِبَيْتِ مَالِهِمْ مُعَدًّا لِمَصَالِحِهِمْ .
وَذَلِكَ : ( مِثْلُ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيهِمْ ، وَسَدِّ الثُّغُورِ ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ ، وَإِعْطَاءِ الْقُضَاةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفْتِينَ وَالْعُمَّالِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ ) ؛ أَمَّا سَدُّ الثُّغُورِ وَبِنَاءُ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ فَمَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ ؛ وَأَمَّا أَرْزَاقُ مَنْ ذُكِرَ فَلِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ كِفَايَتُهُمْ عَلَيْهِمْ ؛ وَالْمُقَاتِلَةُ يُقَاتِلُونَ لِنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِعْزَازِ كَلِمَةِ الدِّينِ وَلِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ كِفَايَتُهُمْ وَكِفَايَةُ ذُرِّيَّتِهِمْ ، إِذْ لَوْ لَمْ يُكْفَوْا لَاشْتَغَلُوا بِالِاكْتِسَابِ لِلْكِفَايَةِ فَلَا يَتَخَلَّوْنَ لِلْقِتَالِ . وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْبَاقُونَ فَقَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لِفَصْلِ خُصُومَاتِهِمْ وَبَيَانِ مُحَاكَمَاتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ أَحْكَامَ شَرِيعَتِهِمْ وَمَا يَأْتُونَهُ وَيَذَرُوَنَهُ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ مَصَالِحِهِمْ وَأَعَمِّهَا ، فَكَانَتْ كِفَايَتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِقِيَامِ مَصَالِحِهِمْ أَصْلُهُ الْقَاضِي وَالزَّوْجَةُ عَلَى مَا عُرِفَ .