. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
هَؤُلَاءِ إِلَّا الرَّاهِنَ ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي قَبْضِ الْعَيْنِ مَعَ قِيَامِ الرَّهْنِ ، فَإِذَا قُضِيَ الدَّيْنُ بَطَلَ الرَّهْنُ فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فَيُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ أَيْضًا . وَقَالَ زُفَرُ : لَا يُقْطَعُ إِلَّا بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ وَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْخُصُومَةِ لِلْبَاقِينَ إِنَّمَا تُثْبِتُ ضَرُورَةَ الْحِفْظِ فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ . وَلَنَا أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ لِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ عَقِيبَ خُصُومَةٍ مُعْتَبَرَةٍ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى الِاسْتِرْدَادِ فَيَسْتَوْفِي الْقَطْعُ كَالسَّرِقَةِ مِنَ الْمَالِكِ فَلَا تُعْتَبَرُ شُبْهَةً مَوْهُومَةَ الِاعْتِرَاضِ ، وَالْيَدُ الَّتِي لَيْسَتْ يَدَ السَّارِقِ فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ يَدَ مِلْكٍ ، وَلَا أَمَانَةَ وَلَا ضَمَانَ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الطَّرِيقِ أَوْ أَخَذَ الْمَالَ الضَّائِعَ ، وَلَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ أَيْضًا ، لِأَنَّ السَّارِقَ الثَّانِي لَمْ يَزَلْ عَنِ الْمَالِكِ يَدًا صَحِيحَةً فَصَارَ كَأَخْذِهِ مِنَ الطَّرِيقِ .
وَكُلُّ مَا يُحْدِثُهُ السَّارِقُ فِي الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا أَوْ زِيَادَةً ، فَإِنْ كَانَ نَقْصًا قُطِعَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَرُدَّتِ الْعَيْنُ ، لِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَيْنِ لَيْسَ بِأَكْثَرِ مِنْ هَلَاكِهَا ؛ وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً فَإِمَّا أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ الْمَالِكِ عَنِ الْعَيْنِ كَقَطْعِ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتِهِ قَبَاءً أَوْ جُبَّةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قُطِعَ السَّارِقُ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَالِكِ عَلَى الْعَيْنِ وَلَا ضَمَانَ ، لِأَنَّ الْعَيْنَ زَالَتْ عَنْ مِلْكِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَتَعَذَّرَ الضَّمَانُ بِالْقَطْعِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ لَا تَقْطَعُ حَقَّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ كَالصَّبْغِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْطَعُ السَّارِقُ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَى الْعَيْنِ ، وَقَالَا : يَأْخُذُهُ وَيُعْطِي مَا زَادَ عَلَى الصَّبْغِ فِيهِ ، لِأَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِ الثَّوْبِ وَبَيْنَ أَخْذِهِ وَضَمَانِ الزِّيَادَةِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ التَّضْمِينُ بِالْقَطْعِ فَتَعَيَّنَ أَخْذُهُ ، وَضَمَانُ الزِّيَادَةِ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَضْمِينُ الثَّوْبِ بَعْدَ الْقَطْعِ لِمَا مَرَّ . وَلَوْ رَدَّ الثَّوْبَ يَصِيرُ السَّارِقُ شَرِيكًا فِيهِ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْقَطْعِ ، وَسَرِقَةُ الْعَيْنِ الْمُشْتَرِكَةِ تُسْقِطُ الْقَطْعَ ابْتِدَاءً ، فَإِذَا وُجِدَ الْقَطْعُ لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ مَا يُنَافِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا صَبَغَهُ بَعْدَ الْقَطْعِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا تُسْقِطُ الْقَطْعَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَالِكُ بَعْضَ الثَّوْبِ مِنَ السَّارِقِ .
وَلَوْ سَرَقَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قُطِعَ وَرَدَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَا : لَا سَبِيلَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ صَنْعَةٌ مُتَقَوَّمَةٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ ، وَقَدْ عُرِفَ فِي الْغَصْبِ ، وَفِي الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ إِنْ جَعَلَهُ أَوَانِيَ ، فَإِنْ كَانَ يُبَاعُ عَدَدًا فَهُوَ لِلسَّارِقِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبِهَذَا الْأَصْلِ يُعْرَفُ جَمِيعُ مَسَائِلِ مَا يُحْدِثُهُ السَّارِقُ فِي الْمَسْرُوقِ لِمَنْ يَتَأَمَّلُهُ .