وَيُقْسَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي وَالْحَوَانِيتِ وَحْدَهُ ، وَتُقْسَمُ الْبُيُوتُ قِسْمَةً وَاحِدَةً ،
شرح
لِتَفَاوُتِهِمَا ، وَقَالَا : يُقَسَّمُ الرَّقِيقُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَكَرَقِيقِ الْمَغْنَمِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ ؛ لِتَفَاوُتِهِمْ فِي الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْعَقْلِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى تَعْلِيمِ الْحِرَفِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحَيَوَانِ يَقِلُّ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَهُمَا جِنْسَانِ فِي بَنِي آدَمَ ؟ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ يُعْرَفُ بِالظَّاهِرِ وَالْجَسِّ وَالرُّكُوبِ وَالِاخْتِبَارِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَلْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا كَذَلِكَ بَنُو آدَمَ ; وَأَمَّا رَقِيقُ الْمَغْنَمِ فَإِنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي الْمَالِيَّةِ ، وَلِهَذَا جَازَ لِلْإِمَامِ بَيْعُهَا وَقِسْمَةُ ثَمَنِهَا ، وَهُنَا الْحَقُّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَالْمَالِ فَافْتَرَقَا .
قَالَ : ( وَيُقَسَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي وَالْحَوَانِيتِ وَحْدَهُ ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ نَظَرًا إِلَى اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ ، وَإِنْ كَانَتْ دُورٌ مُشْتَرَكَةً فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَرْضٍ مُتَفَرِّقَةٍ قُسِّمَ كُلُّ دَارٍ وَأَرْضٍ عَلَى حِدَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا : يُقَسَّمُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إِنْ كَانَ أَصْلَحَ ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ صُورَةً وَمَعْنًى نَظَرًا إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ أَصْلُ السُّكْنَى وَالزَّرْعُ ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ مَعْنًى ؛ نَظَرًا إِلَى وُجُوهِ السُّكْنَى وَاخْتِلَافِ الزَّرْعِ ، فَكَانَ مُفَوَّضًا إِلَى نَظَرِ الْقَاضِي يُعْمِلُ مَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ . وَلَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ فِيهَا ؛ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْجِوَارِ وَالْقُرْبِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَاءِ وَالشُّرْبِ وَصَلَاحِيَتِهَا لِلزِّرَاعَةِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا ، وَلَوْ كَانَتْ دَارَانِ فِي مِصْرٍ قُسِّمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَحْدَهَا بِالْإِجْمَاعِ . وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالرَّقَّةِ وَالْأُخْرَى بِالْبَصْرَةِ قُسِّمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى .
قَالَ : ( وَتُقَسَّمُ الْبُيُوتُ قِسْمَةً وَاحِدَةً ) أَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَلِأَنَّ قِسْمَةَ كُلِّ بَيْتٍ بِانْفِرَادِهِ ضَرَرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ مَحَالٍّ فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا يَسِيرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ فِي السُّكْنَى ; وَالْمَنَازِلُ إِنْ كَانَتْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ مُتَلَازِقَةٍ كَالْبُيُوتِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً تُقَسَّمُ كَالدُّورِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي دَارٍ أَوْ مَحَالٍّ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ فِي السُّكْنَى ، لَكِنْ دُونُ الدُّورِ فَكَانَ لَهَا شَبَهٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِذَا كَانَتْ مُلْتَزِقَةً أَلْحَقْنَاهَا بِالْبُيُوتِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَبَايِنَةً بِالدُّورِ ; وَإِذَا قَسَّمَ الدَّارَ تُقَسَّمُ الْعَرْصَةُ بِالذِّرَاعِ وَالْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ تَحْقِيقًا لِلْمُعَادَلَةِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى أَوْ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الصُّورَةِ ; وَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَجْعَلُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ بِذِرَاعٍ مِنَ الْأَرْضِ وَقَالَ الْآخَرُ بِالدَّرَاهِمِ ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَسِّمُ الْمِيرَاثَ ، وَالدَّرَاهِمُ لَيْسَتْ مِنَ الْمِيرَاثِ ، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَضْعَافَ قِيمَةِ الْأَرْضِ ، أَوْ يَقَعُ لِأَحَدِهِمَا جَمِيعُ الْبِنَاءِ فَيَجْعَلُ الْقِسْمَةَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ الْقِسْمَةُ فَيَتَعَدَّى إِلَى مَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِهِ كَالْأَخِ وِلَايَتُهُ عَلَى النِّكَاحِ دُونَ الْمَالِ ، وَلَهُ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ لِمَا قُلْنَا ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقْسَمُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ . وَعَنْ