تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فَيَجُوزُ بِالْخُصُومَةِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ وَإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا إِلَّا الْحُدُودَ ( س ) وَالْقِصَاصَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ ، وَلَا يَجُوزُ بِالْخُصُومَةِ إِلَّا بِرِضَاءِ الْخَصْمِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا ، وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إِلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِقْرَارٍ تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَنَقْدِ الثَّمَنِ وَالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، إِلَّا الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ الْمَحْجُورَيْنِ ، فَتَجُوزُ عُقُودُهُمَا ، وَتَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِمُوَكِّلِهِمَا
شرح
( فَيَجُوزُ بِالْخُصُومَةِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ وَإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ : « وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ » وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَابْنَ أَخِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ . قَالَ : ( إِلَّا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ ) لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ ثَابِتٌ لِلنَّدْبِ إِلَيْهِ وَلِلشَّفَقَةِ عَلَى الْجِنْسِ ، وَأَنَّهُ شُبْهَةٌ وَأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَضَرَ لِانْتِفَاءِ هَذَا الِاحْتِمَالِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ ، فَيُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْجِنَايَةَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَالظُّهُورِ يُضَافُ إِلَى الشَّهَادَةِ ، وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ ، فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا . قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ بِالْخُصُومَةِ إِلَّا بِرِضَاءِ الْخَصْمِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا ) ، وَقَالَا : يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْخَصْمِ إِلَّا الْوَكِيلُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَّلَ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقًا ، وَلِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِحَقٍّ فَيَجُوزُ كَالتَّوْكِيلِ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « يَا عَلِيُّ لَا تَقْضِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ . وَفِي رِوَايَةٍ : حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ » فَيُشْتَرَطُ حُضُورُهُ أَوِ اسْتِمَاعُ كَلَامِهِ ، وَلِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ وَالْجَوَابُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِيلَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْخُصُومَةِ ، فَلَعَلَّ الْوَكِيلَ يَكُونُ أَشَدَّ خِصَامًا وَأَكْثَرَ احْتِجَاجًا فَيَتَضَرَّرُ الْخَصْمُ بِذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِرِضَاهُ ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنِ الْخُصُومَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْحُضُورُ ، وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ ، لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ السَّفَرَ مَشَقَّةً فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ فَجَازَ لَهُمَا التَّوْكِيلُ ، وَلَا فَرْقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، وَاسْتَحْسَنَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ مُخَدَّرَةً جَازَ تَوْكِيلُهَا بِغَيْرِ رِضَاءِ الْخَصْمِ لِعَجْزِهَا عَنِ الْخُصُومَةِ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ وَالدَّهْشَةِ . قَالَ : ( وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إِلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِقْرَارٍ تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ ، مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَنَقْدِ الثَّمَنِ وَالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، إِلَّا الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ الْمَحْجُورَيْنِ فَتَجُورُ عُقُودُهُمَا ، وَتَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِمُوَكِّلِهِمَا ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْعَاقِدُ ،