الاختيار لتعليل المختار — صفحة 156
كِتَابُ الْوَكَالَةِ وَلَا تَصِحُّ حَتَّى يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ ، وَالْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ ، وَكُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ ، إِنَّمَا يَعْمَلُ بِالشَّهَادَةِ بِالتَّزْكِيَةِ ، فَهِيَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهَا ، بِخِلَافِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مَحْضٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . [ كتاب الوكالة ] وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّفْوِيضِ وَالِاعْتِمَادِ ، قَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [ الطلاق : 3 ] أَيْ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ كَفَاهُ ، وَرَجُلٌ وَكَلٌ إِذَا كَانَ قَلِيلَ الْبَطْشِ ضَعِيفَ الْحَرَكَةِ يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ ؛ وَقِيلَ الْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ : الْحِفْظُ ، قَالَ تَعَالَى : { حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [ آل عمران : 173 ] أَيْ نِعْمَ الْحَافِظُ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا قَالَ وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا فَهُوَ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهِ بِقَضِيَّةِ اللَّفْظِ ، وَلَا يَثْبُتُ مَا زَادَ عَلَيْهِ إِلَّا بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى إِنْسَانٍ فِي شَيْءٍ وَفَوَّضَ فِيهِ أَمْرَهُ إِلَيْهِ كَانَ آمِرًا بِحِفْظِهِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَنْظُرَ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ ، وَأَصْلَحُ الْأَشْيَاءِ حِفْظُ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ تُبْتَنَى عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَوْجُودَةٌ فِي الْوَكَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى الْوَكِيلِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِرَأْيِهِ لِيَتَصَرَّفَ لَهُ التَّصَرُّفَ الْأَحْسَنَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُبْتَنَى عَلَى الْحِفْظِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ } [ الكهف : 19 ] وَبِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ مَا صَحَّ « أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ » ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ، وَوَكَّلَ فِي النِّكَاحِ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ ، وَعَلَيْهِ تَعَامُلُ النَّاسِ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجَزُ عَنْ مُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْكِيلِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُشْرَعَ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ . قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ حَتَّى يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ ، وَالْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ ) لِأَنَّ التَّوْكِيلَ اسْتِنَابَةٌ وَاسْتِعَانَةٌ ، وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِتَمْلِيكِ الْمُوَكِّلِ ، وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِذَلِكَ لِيَصِحَّ تَمْلِيكُهُ ، وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِمَا ، فَلَوْ وَكَّلَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَلَوْ وَكَّلَ صَبِيًّا عَاقِلًا مَأْذُونًا أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ جَازَ ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا لِمَا ذَكَرْنَا . قَالَتْ : ( وَكُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ