وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ حُضُورُ الْأُصُولِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ . فَإِنْ عَدَّلَهُمْ شُهُودُ الْفَرْعِ جَازَ ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُمْ جَازَ ، وَإِذَا أَنْكَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ ، وَالتَّعْرِيفُ يَتِمُّ بِذِكْرِ الْجَدِّ أَوِ الْفَخِذِ ،
شرح
قَالَ : ( وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ حُضُورُ الْأُصُولِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ ) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُقْبَلُ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ الثَّانِي نَظَرًا إِلَى قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } [ البقرة : 282 ] ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ الرَّجُلِ الثَّانِي فَكَذَلِكَ هَذَا . وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ حَضْرَةِ الْأُصُولِ ؛ وَلِأَنَّ الْفُرُوعَ أَبَدَالٌ ، وَلَا حُكْمَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ كَمَا فِي النَّظَائِرِ ، وَشَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ لَيْسَتْ بَدَلِيَّةً ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ فَاطْلُبُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَاءَ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ تَرْضَوْنَهُمْ فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ . وَالْعُذْرُ مَوْتٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ عِنْدَ تَعَذُّرِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا .
أَمَّا الْمَوْتُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْمَرَضُ فَالْمُرَادُ بِهِ مَرَضٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ حُضُورَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ . وَأَمَّا السَّفَرُ فَمُقَدَّرٌ بِمُدَّةِ السَّفَرِ ، لِأَنَّ بُعْدَ الْمَسَافَةِ عُذْرٌ ، وَالشَّرْعُ قَدِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الْمُدَّةَ حَتَّى رَتَّبَ عَلَيْهَا كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ وَيَعُودَ إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَهُوَ عُذْرٌ ، لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ مَشَقَّةٌ . قَالَ أَبُو اللَّيْثِ : وَبِهِ نَأْخُذُ .
قَالَ : ( فَإِنْ عَدَّلَهُمْ شُهُودُ الْفَرْعِ جَازَ ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّزْكِيَةِ ، وَمِثْلُهُ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ فَزَكَّى أَحَدُهُمَا الْآخَرُ جَازَ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي حَقِّهِ حَيْثُ إِنَّهُ سَبَبُ قَبُولِ قَوْلِهِ : فَإِنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي إِقَامَةِ شَهَادَتِهِ ؟ ( وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُمْ جَازَ ) وَيَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْهُمْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهُمُ النَّقْلُ دُونَ التَّعْدِيلِ ، فَإِذَا نَقَلُوهَا يَتَعَرَّفُ الْقَاضِي الْعَدَالَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا تُقْبَلُ ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَعْتَمِدُ الْعَدَالَةَ فَإِذَا سَكَتُوا صَارُوا شَاكِّينَ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ فَلَا تُقْبَلُ .
قَالَ : ( وَإِذَا أَنْكَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا التَّحْمِيلَ وَقَدْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ ؛ وَلَوِ ارْتَدَّ شَاهِدَا الْأَصْلِ ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ ؛ لِأَنَّ بِالرِّدَّةِ بَطَلَ الْإِشْهَادُ ؛ وَلَوْ رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ لِتُهْمَةٍ فِي الْأُصُولِ ، ثُمَّ تَابَ الْأُصُولُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْأُصُولِ وَلَا الْفُرُوعِ ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ نَقَلُوا شَهَادَةَ الْأُصُولِ ، فَالْمَرْدُودُ شَهَادَةُ الْأُصُولِ ؛ وَيَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَبِ ، لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِابْنِهِ فِي ذَلِكَ .
قَالَ : ( وَالتَّعْرِيفُ يَتِمُّ بِذِكْرِ الْجَدِّ أَوِ الْفَخِذِ ) لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَى الْقَبِيلَةِ كَبَنِي تَمِيمٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْرِيفُ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالْفَخْذِ وَهِيَ الْقَبِيلَةُ الْخَاصَّةُ ،