وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ . وَصِفَةُ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الْأَصْلُ : أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا ، وَيَقُولُ الْفَرْعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا ، وَقَالَ لِي : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ ،
شرح
ذَلِكَ وَاحْتِيَاجُ النَّاسِ إِلَى إِحْيَاءِ الْحُقُوقِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْأَدَاءِ لِمَرَضٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ سَفَرٍ ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَطَلَ حُقُوقُ النَّاسِ ، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنْ بَعُدَ لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا .
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ تُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ نُقِلَ خَبَرٌ يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ الْمُدَّعِي فَيَجُوزُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ ، وَفِي ذَلِكَ احْتِيَالٌ لِلثُّبُوتِ ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةً لِزِيَادَةِ احْتِمَالِ الْكَذِبِ أَوِ الْبَدَلِيَّةِ ، وَالْحُدُودُ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَتُقْبَلُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، وَمَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْبَلُ ، لِأَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، لِمَا رُوِيَ : « أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبَسَ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ » وَالْحَبْسُ تَعْزِيرٌ .
قَالَ : ( وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ ) لِأَنَّهُ حَقٌّ فَلَا بُدَّ مِنَ النِّصَابِ . وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوَّلًا ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ أَصْلٍ حَقٌّ فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدَا بِحَقَّيْنِ .
( وَصِفَةُ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الْأَصْلُ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا ) لِأَنَّ الْفَرْعَ يَنْقُلُ شَهَادَةَ الْأَصْلِ ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحْمِيلِ لِمَا بَيَّنَّا ، فَيَشْهَدُ كَمَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي لِيَنْقُلَهَا إِلَيْهِ .
قَالَ : ( وَيَقُولُ الْفَرْعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا ، وَقَالَ لِيَ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شَهَادَتِهِ وَذِكْرِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَالتَّحْمِيلِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ثَمَانِي مَرَّاتٍ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا وَأَشْهَدَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ ، وَقَالَ لِيَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي وَأَنَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنِ اكْتَفَى بِخَمْسٍ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَرْبَعٌ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي ، وَقَالَ لِي : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا قَالَ لِيَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي ، أَوْ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ . وَالْأَحْسَنُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ ، وَالْأَحْوَطُ مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحَرُّزًا عَنِ اخْتِلَافٍ كَثِيرٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ يَصْغُرُ كِتَابُنَا عَنِ اسْتِيعَابِهِ .