تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فَصْلٌ [ كَرْيُ الْأَنْهَارِ ] كَرْيُ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْعَامَّةِ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ .
شرح
وَلَوْ كَانَ النَّهْرُ أَوِ الْبِئْرُ فِي مَوَاتٍ قَدْ أَحْيَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ الشَّفَةِ مِنَ الدُّخُولِ إِذَا كَانَ لَا يَكْسِرُ الْمُسَنَّاةَ ؛ لِأَنَّ الْمَوَاتَ كَانَ مُشْتَرَكًا ، وَالْإِحْيَاءَ لِحَقٍّ مُشْتَرَكٍ ، فَلَا يَقْطَعُ حَقَّ الشَّفَةِ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْمُسْلِمُونَ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : « النَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَاءِ ، وَالْكَلَأِ ، وَالنَّارِ » . أَثْبَتَ الشَّرِكَةَ فِيهَا لِلنَّاسِ كَافَّةً ، الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِيهِ سَوَاءٌ ، فَحُكْمُ الْمَاءِ مَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا الْكَلَأُ إِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ فِي الِاحْتِشَاشِ وَالرَّعْيِ كَاشْتِرَاكِهِمْ فِي مَاءِ الْبَحْرِ . وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ ، وَقَدْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ - فَهُوَ كَالنَّهْرِ فِي أَرْضِهِ لَا يُمْنَعُ عَنْهُ ، وَلَهُ الْمَنْعُ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ . وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَعَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَاءِ . وَإِنْ أَنْبَتَهُ فِي أَرْضِهِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ . وَالْكَلَأُ مَا انْبَسَطَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَلَا سَاقَ لَهُ كَالْإِذْخِرِ وَنَحْوِهِ . أَمَّا مَا لَهُ سَاقٌ فَهُوَ شَجَرٌ وَهُوَ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِنَّمَا أَثْبَتَ الشَّرِكَةَ فِي الْكَلَأِ لَا فِي الشَّجَرِ ، وَالْعَوْسَجُ مِنَ الشَّجَرِ . وَأَمَّا النَّارُ فَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي مَفَازَةٍ فَالْجَمْرُ مِلْكُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنَ الِاسْتِضَاءَةِ وَالِاصْطِلَاءِ ، وَأَنْ يَتَّخِذَ مِنْهَا سِرَاجًا ؛ لِأَنَّ الْجَمْرَ مِنَ الْحَطَبِ وَأَنَّهُ مَلَكَهُ ، وَالنُّورَ جَوْهَرُ الْجَمْرِ . وَلِأَنَّا لَوْ أَطْلَقْنَا النَّاسَ فِي أَخْذِ الْجَمْرِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يَصْطَلِي بِهِ وَلَا مَا يَخْبِزُ وَيَطْبُخُ بِهِ . وَإِنْ أَوْقَدَ النَّارَ فِي مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ لَا مِنَ النَّارِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ .

[ فصل كرى الأنهار العظام على بيت المال ]

فَصْلٌ [ كَرْيُ الْأَنْهَارِ ] ( كَرْيُ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ) ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي الْمَقَاسَمِ كَسَيْحُونَ وَإِخْوَتِهِ جَيْحُونَ وَالنِّيلِ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ ، وَمَا شَابَهَهَا ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لِلْعَامَّةِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ أُجْبِرَ النَّاسُ عَلَى كَرْيِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْكَرْيِ إِحْيَاءً ؛ لِحَقِّ الْعَامَّةِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ ، لَكِنْ يُخْرِجُ الْإِمَامُ مَنْ يُطِيقُ الْعَمَلَ ، وَيَجْعَلُ مَئُونَتَهُمْ عَلَى الْمَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ . ( وَمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْعَامَّةِ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ ) ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَهُمْ . ( وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ ، وَهُوَ ضَرَرُ الشُّرَكَاءِ بِالضَّرَرِ الْخَاصِّ ، كَيْفَ وَفِيهِ مَنْفَعَتُهُ ؟ فَلَا يُعَارِضُهُ . وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَامٌّ بِأَنْ خَافُوا أَنْ يَنْشَقَّ النَّهْرُ ، فَيَخْرُجَ الْمَاءُ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرَاضِيهِمْ - فَعَلَيْهِمْ تَحْصِينُهُ بِالْحِصَصِ . وَالنَّهْرُ الْمَمْلُوكُ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ فَكَرْيُهُ عَلَيْهِمْ ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ قِيلَ : يُجْبَرُ ؛ لِمَا مَرَّ ، وَقِيلَ : لَا يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرَرَيْنِ خَاصٌّ . وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالْكَرْيِ بِأَمْرِ الْقَاضِي ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْآبِي ، وَلَا كَذَلِكَ الْأَوَّلُ .