تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَالْعَوْدُ الَذِي تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى وَطْئِهَا ، وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ وَتُطَالِبَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهَا ، وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي ،
شرح
إِذَا أَكَلَ مَالِي وَأَفْنَى شَبَابِي وَتَفَرَّقَ أَهْلِي وَكَبُرَتْ سِنِّيِ ظَاهَرَ مِنِّي وَقَدْ نَدِمَ ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يَجْمَعُنِي وَإِيَّاهُ تُنْعِشُنِي بِهِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " حَرُمْتِ عَلَيْهِ ، فَجَعَلَتْ تُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِذَا قَالَ لَهَا : حَرُمْتِ عَلَيْهِ هَتَفَتْ وَقَالَتْ : أَشْكُو إِلَى اللَّهِ فَاقَتِي وَشِدَّةَ حَالِي ، وَإِنَّ لِي صِبْيَةً صِغَارًا إِنْ ضَمَمْتُهُمْ إِلَيْهِ ضَاعُوا ، وَإِنْ ضَمَمْتُهُمْ إِلَيَّ جَاعُوا ، وَجَعَلَتْ تَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ فَأَنْزِلْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ ، فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَحْيُ كَمَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ : يَا خَوْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي أَوْسٍ قُرْآنًا وَتَلَا : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } [ المجادلة : 1 ] الْآيَاتِ » ، وَالظِّهَارُ جَائِزٌ مِمَّنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الزَّوْجَةِ ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ بَائِنًا لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ . قَالَ : ( فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - « أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَرَأَى خَلْخَالَهَا فِي الْقَمَرِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ » ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا وَالْأَفْعَالُ الْمُحَرَّمَةُ تُوجِبُ الِاسْتِغْفَارَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَبَيَّنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، وَلَا يَحِلُّ قُرْبَانُهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَلَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى يُكَفِّرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } [ المجادلة : 3 ] . قَالَ : ( وَالْعَوْدُ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى وَطْئِهَا ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ » ، نَهَى عَنِ الْوَطْءِ إِلَى غَايَةِ التَّكْفِيرِ فَتَنْتَهِيَ حُرْمَةُ الْوَطْءِ بِالتَّكْفِيرِ ، ( وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ حَرَامٌ وَتُطَالِبَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَيَجْبِرَهُ الْقَاضِي عَلَيْهَا ) إِيفَاءً لِحَقِّهَا ، وَكُلُّ مَا لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي فِيهِ لَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُصَدِّقَهُ فِيهِ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْتُ الْإِخْبَارَ عَمَّا مَضَى بِكَذِبٍ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً وَصُدِّقَ دِيَانَةً ، وَلَوْ قَالَ : أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ ، أَوْ ظَاهَرْتُ مِنْكِ يَصِيرُ مُظَاهِرًا لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ ، وَلَوْ شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَوْ بِابْنَةِ مَزْنِيَّتِهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَضَى بِجَوَازِ نِكَاحِهَا يُنَفَّذُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ . وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنِ الْمَرْأَةِ تَقُولُ لِزَوْجِهَا : أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ التَّحْرِيمَ كَالطَّلَاقِ . وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ : عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ ، لِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِالْكَفَّارَةِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَصَحَّ أَنْ تُوجِبَهَا عَلَى نَفْسِهَا . وَسُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فَقَالَ : هُمَا شَيْخَا الْفِقْهِ أَخْطَئا ، عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، لِأَنَّ الظِّهَارَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا : أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِذَا وَطِئَهَا . ( وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي )
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 162 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة