وَالْعَاصِي ( ف ) وَالْمُطِيعُ فِي الرُّخَصِ سَوَاءٌ .
بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ ،
شرح
صَلَاتِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : « أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ » ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَالَ : ( وَالْعَاصِي وَالْمُطِيعُ فِي الرُّخَصِ سَوَاءٌ ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ } [ البقرة : 184 ] . وقَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا } [ البقرة : 239 ] . وَقَوْلُهُ : { فَتَيَمَّمُوا } [ النساء : 43 ] . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا » ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي مُبَاحٍ ثُمَّ نَوَى الْمَعْصِيَةَ بَعْدَهُ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ } [ البقرة : 173 ] أَيْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ فِي أَكْلِهَا وَلَا مُتَجَاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ ، وَنَحْنُ لَا نَجْعَلُ الْمَعْصِيَةَ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ لُحُوقُ الْمَشَقَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ نَقْلِ الْأَقْدَامِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْمَحْظُورُ مَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ، فَكَانَ السَّفَرُ مِنْ حَيْثُ إِفَادَتِهِ الرُّخْصَةَ مُبَاحًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُ الِانْفِصَالَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ : أَصْلِيٌّ وَيُسَمَّى أَهْلِيًّا ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِرُّ الْإِنْسَانُ فِيهِ مَعَ أَهْلِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِمِثْلِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ بِأَهْلِهِ بِعَزْلِ الْقَرَارِ فِيهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ انْتِقَالِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ سَمَّى نَفْسَهُ مُسَافِرًا بِمَكَّةَ حَيْثُ قَالَ : « فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ » .
وَالثَّانِي وَطَنُ إِقَامَةٍ ، وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهُ الْمُسَافِرُ فَيَنْوِي أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَيَبْطُلُ بِالْأَصْلِيِّ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ ، وَبِالْمُمَائِلِ لِطَرَيَانِهِ عَلَيْهِ ، وَبِإِنْشَاءِ السَّفَرِ لِمُنَافَاتِهِ الْإِقَامَةَ . وَالثَّالِثُ وَطَنٌ سَكَنِيٌّ ، وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ الْإِنْسَانُ فِي مَرْحَلَةٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَيَبْطُلُ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِأَنَّهُمَا فَوْقَهُ ، وَبِمِثْلِهِ لِطَرَيَانِهِ عَلَيْهِ ، وَبَيَانُ ضَعْفِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ]
ِ اعْلَمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [ الجمعة : 9 ] . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي يَوْمِي هَذَا ، فِي شَهْرِي هَذَا ، فِي عَامِي هَذَا ، فِي مَقَامِي هَذَا ، فَرِيضَةً وَاجِبَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » .
قَالَ : ( وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ