تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَاعَةً ( سم ) فَسَدَ ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ ، فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَ ، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَتْهُ بِلَيَالِيهَا مُتَتَابِعَةً ، وَلَوْ نَوَى النَّهَارَ خَاصَّةً صُدِّقَ ،
شرح
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ » ، وَالْحَاجَةُ : بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَوْ غُسْلُ جَنَابَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا وَلَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ مُسْتَثْنًى ضَرُورَةً وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا مِنْ أَهَمِّ الْحَوَائِجِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا . وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الْمَعَاصِي ، وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ مَعْصِيَةٌ ، فَيُنَافِيهِ وَيَخْرُجُ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ أَدَاءَ السُّنَّةِ قَبْلَهَا . وَقِيلَ : قَدْرَ سِتِّ رَكَعَاتٍ ، يَعْنِي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَيْضًا ، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا ، وَلَوْ أَطَالَ الْمُكْثَ جَازَ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى الْعَوْدُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ فِيهِ فَلَا يُؤَدِّيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ . قَالَ : ( فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَاعَةً فَسَدَ ) لِوُجُودِ الْمُنَافِي . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَفْسُدُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ النَّهَارِ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ ، وَيَكُونُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَزَوَاجُهُ وَرَجْعَتُهُ بِالْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الْأَشْغَالِ وَيُمْكِنُ قَضَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ مَأْوًى إِلَّا الْمَسْجِدَ ، وَكَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَتَحَدَّثُ ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ حَدِيثٌ ، لَكِنْ يُكْرَهُ حُضُورُ السِّلَعِ الْمَسْجِدَ لِمَا فِيهِ مِنْ شَغْلِ الْمَسْجِدِ بِهَا . قَالَ : ( وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ ) لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ ، وَقَدْ نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ . قَالَ : ( وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ وَفِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، فَالْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى . قَالَ : ( وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [ البقرة : 187 ] فَكَانَتِ الْمُبَاشَرَةُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ ، وَكَذَا دَوَاعِيهِ وَهُوَ اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَمَا فِي الْحَجِّ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ رُكْنُهُ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الدَّوَاعِي . قَالَ : ( فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَ ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ فَيُفْسِدُهُ كَالْإِحْرَامِ ، وَكَذَا إِذَا أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ . وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلِأَنَّ الْحَالَةَ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَجِّ بِخِلَافِ الصَّوْمِ . قَالَ : ( وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَتْهُ بِلَيَالِيهَا مُتَتَابِعَةً ) لِأَنَّ ذِكْرَ جَمْعٍ مِنَ الْأَيَّامِ يَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنَ اللَّيَالِي كَمَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . قَالَ تَعَالَى : { ثَلاثَةَ أَيَّامٍ } [ آل عمران : 41 ] وَقَالَ : { ثَلاثَ لَيَالٍ } [ مريم : 10 ] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ ، وَيُقَالُ : مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ أَيَّامٍ ، وَيُرِيدُ اللَّيَالِيَ أَيْضًا . وَأَمَّا التَّتَابُعُ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّتَابُعَ كَمَا فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِجَارَاتِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ إِذَا الْتَزَمَ أَيَّامًا حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّفْرِيقُ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ . ( وَلَوْ نَوَى النَّهَارَ خَاصَّةً صَدَقَ ) لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ ؛ لِأَنَّ