تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
والتقرب بالسعي ، انظر إليهم يتناقلون الإشارات بالعيون والمغامزة بالجفون والمخاطبة باللغوز ، فإذا انصرفوا صرف الله قلوبهم فقلبوا الأمور ونقلوا العيوب وافسدوا القلوب وتعللوا بالأحلام وقواطع الأحكام " ( 1 ) . ولقد قضى ابن الخطيب في هذا الجو المكفهر فترة من الزمن وهو فريسة للخوف والحذر ، نهبة للتلوم النفسي والتردد ، وكلما خلا إلى نفسه جعل يخاطبها قائلا : " يا مشئومة ! أما تشعرين لما نزل بك ، حملت هذا الكل على ضعفك ، وأوسعت هذا الشغب في فكرك . . وتعرضت لان تسخطي الطالب الممنوع بخيبته ، وتسخطي المعطى بما يرى انك قد منعته الزيادة في عطيته ، وتسخطي الأجنبي بالقبول على عدوه . . . وتسخطي الجاني بإنفاذ العقوبة في جنايته . . . وتسخطي الجيش باختباره وعرضه . . . وتسخطي الرعية باستقصاء الجباية " ( 2 ) . . وجاءت اللحظة الحاسمة التي وجد فيها أن الفرار أمر محتوم ، وهي لحظة عبر عنها لسان الدين " بالعجز " حين قال للغني بالله " ونختم لكم هذه الغزارة بالحلف الأكيد : أني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا ألا وقد وفيتها لكم ولا فارقتكم ألا عن عجز " ( 3 ) ، وهذا التصريح يدل على الحقيقة النفسية الكامنة التي كانت تتعلل بالماضي والمستقبل ، أما الماضي فقد لفه لسان الدين في ثوب من الترفع عن الكسب وجمع المال وجعله كله عملا مخلصا ممتدا في الزمان ، استطاع فيه أن يؤمن للدولة أسبابها ويطمئن على صاحبه ، بإرضاء الجند وعقد المعاهدات مع الأعداء ، وتكثير الأصدقاء ، وأما المستقبل فسوف يكون هجرة إلى الله تعالى وزيارة لمكة وقبر
هامش
( 1 ) أعمال الأعلام : 316 . ( 2 ) المصدر نفسه : 315 . ( 3 ) التعريف بابن خلدون : 152 .