الرسول ، ولكن كلمة العجز كانت تدل على أن لا خيار ثمة ، وان الاضطرار هو القوة الداعية إلى التحول ، وهون الرجل على نفسه مفارقة الأهل والوطن بأنه لا يفر لذنب اقترفه وإنما خلف " الوسائل المرعية والآثار الخالدة والسير الجميلة " وانه - أن فسح الله له في الآجل - يود العودة إلى وطنه .
ولم يفده الإلحاح على سلطانه بان يأذن له بالسفر فعمد إلى اصطناع جفاء يثير غضبه ، والسلطان يعد ذلك إدلالا ويعتذر عما يفعله صاحبه . وعندئذ قرر لسان الدين أن يخفي أمر فراره ، فاتصل بالسلطان المريني واخذ منه عهدا بالإقامة في كنفه ، وبتمكينه من الحج والزيارة ، واستأذن الغني بالله في تفقد الثغور " وسار إليها في لمة من فرسانه ، وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان ، وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح ، فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه ، وسرح أذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه ، وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه ، فأجاز إلى سبتة وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم " ( 1 ) . وقد عيره أعداؤه من بعد بفراره وبهذه الخدعة التي اختارها ، فقال القاضي النباهي في رده عليه : " ثم وريتم بتفقد ثغر الجزيرة الخضراء ، مكرا منكم ، فلما بلغتم ارض الجبل انحرفتم عن الجادة وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكره عليكم من بلغه حديثكم - أو يبلغه إلى آخر الدهر - في العدوتين من مؤمن وكافر وبر وفاجر " ( 2 ) .
أما بقية التهم التي وجهها النباهي إلى ابن الخطيب فتتلخص في إخلاد
هامش
( 1 ) تاريخ ابن خلدون 7 : 335 ، والنفح 8 : 30 - 31 .
( 2 ) النفح 7 : 56 .