والنسائي في سننه والحاكم في مستدركه قال : هم الذين هاجروا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة ، والصحيح كما قاله ابن كثير العموم في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، وفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم وحسنه الترمذي عن معاوية بن حيدة مرفوعًا : أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل .
4557 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران : 110 ] قَالَ : خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاَسِلِ ، فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ .
وبه قال : ( حدّثنا محمد بن يوسف ) البيكندي ( عن سفيان ) الثوري ( عن ميسرة ) ضد الميمنة ابن عمار الأشجعي ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ) في قوله تعالى : ( { كنتم خير أمة أُخرجت للناس } قال : خير الناس للناس ) أي خير بعض الناس لبعضهم أي أنفعهم لهم ، وإنما كان كذلك لأنكم ( تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ) فهم سبب في إسلامهم وقول الزركشي وغيره قيل ليس هذا التفسير بصحيح ولا معنى لإدخاله في المسند لأنه لم يرفعه ليس بصحيح بل إساءة أدب لا ينبغي ارتكاب مثلها ، وقد تقدم من وجه آخر في أواخر الجهاد مرفوعًا بلفظ : عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل يعني الأسارى الذين يقدم بهم أهل الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح سرائرهم وأعمالهم فيكونون من أهل الجنة .
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير .
8 - باب { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ }
هذا ( باب ) بالتنوين وهو ساقط كلفظ باب قبله لغير أبي ذر في قوله تعالى : ( { إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا } ) [ آل عمران : 22 ] عامل الظرف اذكر أو هو بدل من إذ غدوت فالعامل فيه العامل في المبدل منه أو الناصب له عليم ، والهم : العزم أو هو دونه وذلك أن أول ما يمر بقلب الإنسان يسمى خاطرًا فإذا قوي سمي حديث نفس فإذا قوي سمي همًّا فإذا قوي سمي عزمًا ثم بعده ، إما قول أو فعل .
4558 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - يَقُولُ : فِينَا نَزَلَتْ : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قَالَ : نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ ، وَبَنُو سَلِمَةَ ، وَمَا نُحِبُّ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً : وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ لِقَوْلِ اللَّهِ : { وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا } .
وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : قال عمرو ) هو ابن دينار ( سمعت جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول : فينا نزلت : { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } أي تجبنا وتتخلفا عن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتذهبا مع عبد الله بن أبي وكان ذلك في غزوة أُحُد ( { والله وليهما } ) أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة التي ليست عزيمة بل حديث نفس وكيف تكون عزيمة والله تعالى يقول : { والله وليهما } والله تعالى لا يكون ولي من عزم على خذلان رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومتابعة عدوّه عبد الله بن أبيّ ، ويجوز أن تكون عزيمة كما قال ابن عباس ويكون قوله : { والله وليهما } جملة حالية مقررة للتوبيخ والاستبعاد أي لم وجد منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة والحال أن الله سبحانه وتعالى بجلاله وعظمته هو الناصر لهما فما لهما يفشلان .
( قال ) : أي جابر ( نحن الطائفتان بنو حارثة ) وهم من الأوس ( وبنو سلمة ) بكسر اللام وهم من الخزرج ( وما نحب . وقال سفيان ) بن عيينة في روايته : ( مرة وما يسرني ) بدل وما نحب ( أنها ) أي الآية ( لم تنزل لقول الله ) تعالى ( { والله وليهما } ) ومفهومه أن نزولها سره لما حصل لهم من الشرف وتثبيت الولاية ودلّ ذلك على أنه سرتهم تلك الهمة العارية عن العزم ، نعم كلام ابن عباس السابق مبني على التوبيخ وينصره قوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فإنه يأبى إلا أن يكون تعريضًا وتغليطًا في هذا المقام وكذا قوله تعالى : { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } [ آل عمران : 123 ] مشتمل على تشديد عظيم يعني : فاتقوا الله في الثبات معه ولا تضعفوا فإن نعمته وهي نعمة الإسلام لا يقابل شكرها إلا ببذل المهج وبفداء الأنفس فاثبتوا معه لعلكم تدركون شكر هذه النعمة ، وكل هذه التشديدات لا ترد على حديث النفس ، وأما قول جابر نحن بنو سلمة وبنو حارثة وامتيازه إياهما عن الغير فلا يستقيم إلا على العزيمة وقوله : وما يسرني أنها لم تنزل إنما
يحسن إذا حملته على العزيمة ليفيد المبالغة فهو على أسلوب قوله تعالى : { عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم } [ التوبة : 43 ] قاله في فتوح الغيب .
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 62
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٦٢