مفعال من أبنية المبالغة أي صاحب دراسة كتبهم وكان أعلم من بقي من الأحبار بالتوراة وزعم السهيلي أنه أسلم ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : مدارسها بضم الميم على وزن المفاعلة من المدارسة . قال في الفتح : والأول أوجه وهو ( الذي يدرسها منهم ) بضم التحتية وفتح الدال المهملة
وتشديد الراء مكسورة وفي نسخة يدرسها بفتح أوله وسكون الدال وضم الراء مخففة ( كفه على آية الرجم فطفق ) بكسر الفاء أي فجعل ( يقرأ ) من التوراة ( ما دون يده ) أي قبلها ( وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم فنزع ) عبد الله بن سلام ( يده عن آية الرجم فقال : ما هذه ؟ فلما رأوا ذلك ) أي اليهود ( قالوا ) : ولأبي ذر عن الكشميهني فلما رأى ذلك أي المدراس قال : ( هي آية الرجم فأمر بهما ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فرجما ) بحكم شرعه ( قريبًا من حيث موضع الجنائز ) برفع موضع في الفرع كأصله وغيرهما لأن حيث لا تضاف إلى ما بعدها إلا أن يكون جملة ( عند المسجد ) .
وفي هذه القصة من حديث جابر عند أبي داود في سننه : أنه شهد عنده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة . قال النووي : فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر ، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرّا بالزنا ، فلذا حكم عليه الصلاة والسلام برجمهما .
( قال ) أي ابن عمر ( فرأيت صاحبها ) أي صاحب المرأة الذي زنى بها ( يجنأ ) بفتح أوله وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة أي أكب ، ولأبي ذر عن الكشميهني يحني بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية أي يميل وينعطف ( عليها ) حال كونه ( يقيها الحجارة ) .
وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب حدّ الزنا على الكافر ، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور خلافًا لمالك حيث قال : لا حدّ عليه وأنه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرجم الإسلام وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا : لا يرجم الذمي لأن من شرط الإحصان الإسلام وأن أنكحة الكفار صحيحة وإلاّ لما ثبت إحصانهم وأنهم مخاطبون بالفروع خلافًا للحنفية .
وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في الجنائز ويأتي إن شاء الله في الحدود .
7 - باب { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
هذا ( باب ) بالتنوين في قوله تعالى : ( { كنتم خير أمة أُخرجت للناس } ) [ آل عمران : 110 ] . قيل كان ناقصة على بابها فتصلح للانقطاع نحو : كان زيد قائمًا ، وللدوام نحو : { وكان الله غفورًا رحيمًا } فهي بمنزلة لم يزل وهذا بحسب القرائن فقوله : { كنتم خير أمة } لا يدل على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا أو انقطع ذلك عنهم ، وقال في الكشاف : كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإِبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ ومنه قوله تعالى : { وكان الله غفورًا رحيمًا } و { كنتم خير أمة } كأنه قيل وجدتم خير أمة . قال أبو حبان : قوله لم يدل على عدم سابق هذا إذا لم تكن بمعنى صار فإذا كانت بمعنى صار دلت على عدم سابق .
فإذا قلت : كان زيد عالمًا بمعنى صار زيد عالمًا دلت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم ؛ وقوله ولا على انقطاع طارئ قد سبق أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدل لفظ المضي منها على الانقطاع ، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع ، وفرق بين الدلالة والاستعمال ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل يزاد الخصوص ، وقوله : كأنه قيل وجدتم خير أمة بدل على أنها التامة وأن خبر أمة حال ، وقوله : وكان الله غفورًا رحيمًا ، لا شك أنها الناقصة فتعارضا .
وأجاب أبو العباس الحلبي : بأنه لا تعارض لأن هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب ، وقيل إن كان هنا تامة بمعنى وجدتم وحينئذ فخير أمة نصب على الحال ، وقيل زائدة أي أنتم خير أمة ، والخطاب للصحابة وهذا مرجوح أو غلط لأنها لا تزاد أولًا ، وقد نقل ابن مالك الاتفاق عليه ، وقيل الخطاب لجميع الأمة أي كنتم في علم الله ، وقيل في اللوح المحفوظ .
وعن ابن عباس فيما رواه أحمد في مسنده
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 61
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٦١