أَضْعَفُ الْمَفَاهِيمِ ، وَلِهَذَا كَانَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَإِذَا قَالَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا نَفْيًا لِلرِّسَالَةِ عَنْ غَيْرِهِ ، لَكِنْ إِذَا كَانَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ فَإِنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ .
كَقَوْلِهِ : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } ( سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 79 ) ، وَقَوْلُهُ : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } ( سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ : 15 ) .
وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّخْصِيصُ لِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ ، فَلَا يُحْتَجَّ بِهِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ فَهَذَا ( 1 ) مِنْ ذَلِكَ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ عَلِيًّا بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِ يَبْكِي ، وَيَشْتَكِي ( 2 ) تَخْلِيفَهُ مَعَ النِّسَاءِ ، وَالصِّبْيَانِ .
وَمَنِ اسْتَخْلَفَهُ سِوَى عَلِيٍّ ، لَمَّا لَمْ يَتَوَهَّمُوا أَنَّ فِي الِاسْتِخْلَافِ نَقْصًا لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ ، وَالتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ إِذَا كَانَ لِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَاكَ لَمْ يَقْتَضِ الِاخْتِصَاصَ بِالْحُكْمِ ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لِلْمَضْرُوبِ الَّذِي نَهَى عَنْ لَعْنِهِ : " « دَعْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » " ( 3 ) ، لَمْ يَكُنْ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، بَلْ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِيَنْهَى بِذَلِكَ عَنْ لَعْنِهِ .
وَلَمَّا « اسْتَأْذَنَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَتْلِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ قَالَ : " دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا » " ( 4 ) ، وَلَمْ يَدُلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا ، بَلْ ذَكَرَ الْمُقْتَضِي لِمَغْفِرَةِ ذَنْبِهِ .
هامش
( 1 ) م : وَهَذَا .
( 2 ) م : وَشَكَى ، س ، ب : وَيَشْكِي .
( 3 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4 / 458
( 4 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4 / 331