فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ إِلَى كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ ، هَلْ خَرَجَ مُوجِبُ الْفِتْنَةِ ( 1 ) عَنِ الْمَشَايِخِ أَوْ تَعَدَّاهُمْ ؟ " .
وَالْجَوَابُ : أَنْ يُقَالَ هَذَا الْكَلَامُ مِمَّا يُبَيِّنُ تَحَامُلُ الشَّهْرَسْتَانِيِّ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ الشِّيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ دُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ . وَلَمَّا ذَكَرَ عَلِيًّا قَالَ ( 2 ) : " وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ " ( 3 ) وَالنَّاقِلُ الَّذِي لَا غَرَضَ لَهُ : إِمَّا أَنْ يَحْكِيَ الْأُمُورَ بِالْأَمَانَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ . فَأَمَّا دَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ الْحَقَّ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ ، وَتَخْصِيصُهُ بِهَذَا دُونَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ الشِّيعَةِ .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ هَذَا الْكَلَامِ قَوْلُهُ : " إِنَّ الِاخْتِلَافَ وَقَعَ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَعَقْدِ الْبَيْعَةِ لَهُ " . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا بَايَعُوهُ ، حَتَّى كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ الَّذِينَ رَأَوْهُ لَمْ يَكُونُوا بَايَعُوهُ ، دَعِ الَّذِينَ كَانُوا بَعِيدِينَ ، كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ .
وَكَيْفَ يُقَالُ مِثْلُ هَذَا فِي بَيْعَةِ عَلِيٍّ وَلَا يُقَالُ فِي بَيْعَةِ عُثْمَانَ الَّتِي ( 4 ) اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وَلَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا اثْنَانِ ؟ .
هامش
( 1 ) ن : مُوجِبُ الْفَقِيهِ ، م : مِنْ حُبِّ الْفِتْنَةِ .
( 2 ) أَيِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ 1 / 33
( 3 ) نَصُّ كَلَامِ الشَّهْرَسْتَانِيِّ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَهُ .
( 4 ) ن : الَّذِي .