تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
يُسَمُّونَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . لَكِنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ مَا كَانُوا يُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِكَ ، وَلَا دَخَلُوا فِي طَاعَتِهِ ، مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَفْضَلَ مِنْهُ وَلَكِنِ ادَّعَوْا مَوَانِعَ تَمْنَعُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ . وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُحَارِبُوهُ ، وَلَا دَعَوْهُ وَأَصْحَابَهُ إِلَى أَنْ يُبَايِعَ مُعَاوِيَةَ ، وَلَا قَالُوا : أَنْتَ ، وَإِنْ كُنْتَ أَفْضَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ لَكِنَّ مُعَاوِيَةَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْكَ فَعَلَيْكَ أَنْ تَتْبَعَهُ ، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكَ . كَمَا يَقُولُ كَثِيرٌ مِنْ خِيَارِ الشِّيعَةِ الزَّيْدِيَّةِ : إِنَّ عَلِيًّا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَلَكِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ تَقْتَضِي خِلَافَةَ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نُفُورٌ عَنْ عَلِيٍّ بِسَبَبِ مَنْ قَتَلَهُ مِنْ أَقَارِبِهِمْ ، فَمَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ تَتَّفِقُ عَلَى طَاعَتِهِ فَجَازَ تَوْلِيَةُ الْمَفْضُولِ لِأَجْلِ ذَلِكَ . فَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ خِيَارِ الشِّيعَةِ ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَفْضَلَ ، وَعَلِمُوا أَنَّ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حَقٌّ لَا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهَا ، فَجَمَعُوا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا بِهَذَا الْوَجْهِ . وَهَؤُلَاءِ عُذْرُهُمْ آثَارٌ سَمِعُوهَا ، وَأُمُورٌ ظَنُّوهَا ، تَقْتَضِي فَضْلَ عَلِيٍّ عَلَيْهِمْ ، كَمَا يَقَعُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ الْمَسَائِلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا بَيْنَ الْأُمَّةِ ، يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَكِنِ الْآخَرُونَ مَعَهُمْ مَنْقُولَاتٍ ظَنُّوهَا صِدْقًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ خِبْرَةٌ بِأَنَّهَا كَذِبٌ ، وَمَعَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَأْوِيلَاتٌ ظَنُّوهَا مُرَادَةً وَمِنَ النَّصِّ ، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ، وَمَعَهُمْ نَوْعٌ مِنَ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ ظَنُّوهُ حَقًّا ، وَهُوَ بَاطِلٌ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 331 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم