يَكُنْ قَطُّ سَبَبٌ يَدْعُو الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَأْخِيرِ مَنْ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَصَّ عَلَيْهِ ، وَتَقْدِيمِ مَنْ يُرِيدُ تَأْخِيرَهُ وَحِرْمَانَهُ .
وَلَوْ أَرَادَ إِخْرَاجَهُمَا فِي جَيْشِ أُسَامَةَ خَوْفًا مِنْهُمَا ، لَقَالَ لِلنَّاسِ : لَا تُبَايِعُوهُمَا . فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مِمَّنْ كَانَ يَخَافُ الرَّسُولُ ؟ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ وَأَعَزَّهُ ، وَحَوْلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ الَّذِينَ لَوْ أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ لَفَعَلُوا .
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ ، وَكَشَفَ فِيهَا حَالَ الْمُنَافِقِينَ ، وَعَرَّفَهُمُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانُوا مَدْحُوضِينَ مَذْمُومِينَ عِنْدَ الرَّسُولِ وَأُمَّتِهِ .
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَانَا ( 1 ) أَقْرَبَ النَّاسِ عِنْدَهُ ، وَأَكْرَمَ النَّاسِ عَلَيْهِ ، وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ ، وَأَخَصَّهُمْ بِهِ ، وَأَكْثَرَ النَّاسِ لَهُ صُحْبَةً لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَأَعْظَمَهُمْ مُوَافَقَةً لَهُ وَمَحَبَّةً لَهُ ، وَأَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَإِعْلَاءِ دِينِهِ . فَكَيْفَ يُجَوِّزُ عَاقِلٌ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ الرَّسُولِ مِنْ جِنْسِ الْمُنَافِقِينَ ؟ ، الَّذِينَ كَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ عَرَفُوا إِعْرَاضَهُ عَنْهُمْ وَإِهَانَتَهُ لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ يُقَرِّبُ أَحَدًا مِنْهُمْ بَعْدَ سُورَةِ بَرَاءَةٍ .
بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا - مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 60 ، 61 ] فَانْتَهَوْا عَنْ إِظْهَارِ النِّفَاقِ وَانْقَمَعُوا .
هَذَا وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ أَعَزُّ النَّاسِ وَأَكْرَمُهُمْ وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ .
هامش
( 1 ) ن ، م : كَانُوا ، وَهُوَ خَطَأٌ .