تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا مُوجِبًا بِذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ مَفْعُولَاتِهِ ، حَتَّى لَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَأَثْبَتُوا لَهُ مِنَ الْوَحْدَةِ مَا يُضَمِّنُونَهُ نَفْيَ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ ، وَقَالُوا : الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ ، وَالْوَاحِدُ الَّذِي ادَّعُوهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ . وَالْكَلَامُ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ وَإِبْطَالِهَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ تَنَاقُضًا وَاضْطِرَابًا ، وَأَنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْمَعْلُولِ ( 1 ) أَزَلًا وَأَبَدًا فَاسِدَةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . وَأَمَّا إِذَا قِيلَ : هُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُوجِبُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ ; فَهَذَا هُوَ الْفَاعِلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، فَتَسْمِيَةُ الْمُسَمَّى لَهُ مُوجِبًا بِذَاتِهِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ . وَأَكْثَرُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ لَا يَقُولُونَ : إِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يَلْزَمُ وُجُودُ مَقْدُورِهِ ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ ، فَيُرَجِّحُ ( 2 ) إِنْ حَصَلَ بِلَا مُرَجِّحٍ . وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ تُثْبِتُ نُبُوَّةً لَا تَسْتَلْزِمُ فَصْلَ صَاحِبِهَا وَلَا كَمَالَهُ ، وَلَا اخْتِصَاصَهُ قَطُّ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ ( 3 ) النَّاسِ نَبِيًّا . ثُمَّ الْجَهْمِيَّةُ الْمَحْضَةُ عِنْدَهُمْ يَخْلُقُ اللَّهُ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ فَيَنْزِلُ بِهِ الْمَلَكُ . وَأَمَّا الْكُلَّابِيَّةُ فَعِنْدَهُمُ النُّبُوَّةُ تَعَلُّقُ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ بِالنَّبِيِّ ، بِمَعْنَى أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي . فَيَقُولُونَ فِي النُّبُوَّةِ مِنْ جِنْسِ مَا قَالُوهُ فِي
هامش
( 1 ) ن ، م : لِلْمَفْعُولِ . ( 2 ) و : فَرَجَّحَ . ( 3 ) ح ، م ، ب : مَنْ هُوَ أَجْهَلُ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 436 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم