أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ : إِنَّهُ لَيْسَ لِلْحُكْمِ مَعْنًى إِلَّا تَعَلُّقُ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ بِهِ ، وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ لَا يُثْبِتُونَ ( 1 ) فِي الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْأَعْمَالِ الصَّالْحَةِ خَاصَّةً تَمَيَّزَتْ بِهِ ( 2 ) عَنِ السَّيِّئَاتِ ، حَتَّى أَمَرَ بِهَا لِأَجْلِهَا ، وَكَذَلِكَ فِي النُّبُوَّةِ .
وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ شَرِيعَةً بِالْقِيَاسِ عَلَى عِبَادِهِ ، فَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا يُحَرَّمُ ( 3 ) عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَجْعَلُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَحُبَّهُ وَبُغْضَهُ ، وَرِضَاهُ وَسُخْطَهُ - لَهُ ثأثيرٌ فِي الْأَعْمَالِ ، بَلْ صِفَاتُهَا ثَابِتَةٌ بِدُونِ الْخِطَابِ ، وَالْخِطَابُ مُجَرَّدُ كَاشِفٍ ، بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ بِمَا هِيَ مُتَّصِفَةٌ بِهِ .
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ، وَالِاصْطِفَاءُ افْتِعَالٌ مِنَ التَّصْفِيَةِ ، كَمَا أَنَّ الِاخْتِيَارَ افْتِعَالٌ مِنَ الْخِيرَةِ ، فَيَخْتَارُ مَنْ يَكُونُ مُصْطَفًى . وَقَدْ قَالَ : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 124 ] ( 4 ) فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَجْعَلُهُ رَسُولًا مِمَّنْ لَمْ يَجْعَلْهُ رَسُولًا ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ النَّاسِ يَصْلُحُ لِلرِّسَالَةِ ( 5 ) لَامْتَنَعَ هَذَا .
وَهُوَ عَالِمٌ بِتَعْيِينِ الرَّسُولِ ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ بِالرِّسَالَةِ ، كَمَا دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَتْ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا فَجَأَ الْوَحْيُ النَّبِيَّ ( 6 )
هامش
( 1 ) ح : لَا يُثْبِتُونَهُ .
( 2 ) ب : بِهَا .
( 3 ) ح : مَا يُحَرِّمُونَ .
( 4 ) ن ، م ، و : حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ .
( 5 ) ح ، ر : يَصِلُ إِلَى الرِّسَالَةِ ، ي : يَصِلُ لِلرِّسَالَةِ .
( 6 ) فَجَاءَ الْوَحْيُ النَّبِيَّ : كَذَا فِي ( ب ) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ : بِالنَّبِيِّ .