فَلَا بُدَّ فِي الْخُطَبِ ( 1 ) مِنَ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَمِنْ تَوْحِيدِهِ ; وَلِهَذَا كَانَتِ الْخُطَبُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُشْتَمِلَةً عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَوَّلُهُ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ ، وَآخِرُهُ الشَّهَادَتَانِ ، وَلَا يَكُونُ الثَّنَاءُ إِلَّا عَلَى مَحْبُوبٍ ، وَلَا التَّأَلُّهُ إِلَّا لِمَحْبُوبٍ ، وَقَدْ بَسَطْنَا ( 2 ) الْكَلَامَ فِي حَقَائِقِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ .
وَإِذَا كَانَ الْعِبَادُ يَحْمَدُونَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ ، فَهُوَ ( 3 ) سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِحَمْدِ نَفْسِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَحَبَّةِ لِنَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ : " « لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ » " ( 4 ) فَلَا ثَنَاءَ مِنْ مُثْنٍ أَعْظَمُ مِنْ ثَنَاءِ الرَّبِّ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا ثَنَاءَ إِلَّا بِحُبٍّ ، وَلَا حُبَّ مِنْ مَحْبُوبٍ لِمَحْبُوبٍ أَعْظَمُ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ لِنَفْسِهِ ، وَكُلُّ مَا يُحِبُّهُ مِنْ عِبَادِهِ فَهُوَ تَابِعٌ لِحُبِّهِ لِنَفْسِهِ ، فَهُوَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَالْمُحْسِنِينَ ، وَالصَّابِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ ، كُلُّ ذَلِكَ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ ( 5 ) ; فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ يُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ ; فَيَكُونُ حُبُّهُ لِلرَّسُولِ وَالصَّالِحِينَ تَبَعًا لِحُبِّهِ لِلَّهِ ، فَكَيْفَ الرَّبُّ تَعَالَى فِيمَا يُحِبُّهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ؟ ! .
إِنَّمَا يُحِبُّهُ تَبَعًا لِحُبِّهِ لِنَفْسِهِ ( 6 ) ، وَخَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا .
هامش
( 1 ) ح ، ب : الْخُطْبَةِ .
( 2 ) ن ، م : وَقَدْ بُسِطَ .
( 3 ) ح ، ب : وَهُوَ .
( 4 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى 2 / 159
( 5 ) ح ، ب : تَابِعٌ لِمَحَبَّةِ نَفْسِهِ .
( 6 ) م : لِمَحَبَّةِ نَفْسِهِ .