وَيُنْكِرُ مَا فِي نَفْسِهِ .
فَإِنَّ نَافِيَ مَحَبَّةِ اللَّهِ يَقُولُ : الْمَحَبَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَا يُنَاسِبُ الْمَحْبُوبَ ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ ، وَبَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ ، وَبَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ .
فَيُقَالُ : لَفْظُ الْمُنَاسَبَةِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا ، أَيْ أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ ، فَلَا يُنْسَبُ هَذَا إِلَى هَذَا . كَمَا يُقَالُ : لَا نِسْبَةَ لِمَالِ فُلَانٍ إِلَى مَالِ فُلَانٍ ، وَلَا نِسْبَةَ لِعِلْمِهِ أَوْ جُودِهِ أَوْ مِلْكِهِ [ إِلَى عِلْمِ فُلَانٍ وُجُودِ فُلَانٍ وَمِلْكِ فُلَانٍ ، ] ( 1 ) يُرَادُ بِهِ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ حَقِيرَةٌ صَغِيرَةٌ كَلَا نِسْبَةَ ، كَمَا يُقَالُ : لَا نِسْبَةَ لِلْخَرْدَلَةِ إِلَى الْجَبَلِ ، وَلَا نِسْبَةَ لِلتُّرَابِ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ .
فَإِذَا أُرِيدَ بِأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِلْمُحْدَثِ إِلَى الْقَدِيمِ هَذَا الْمَعْنَى وَنَحْوُهُ ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَتِ الْمَحَبَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِهَذِهِ النِّسْبَةِ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنْ لَيْسَ فِي الْقَدِيمِ مَعْنًى يُحِبُّهُ لِأَجْلِهِ الْمُحْدَثُ ، فَهَذَا رَأَسُ الْمَسْأَلَةِ ، فَلِمَ قُلْتَ : إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَالْقَدِيمِ مَا يُحِبُّ الْمُحْدَثُ الْقَدِيمَ لِأَجْلِهِ ؟ وَلِمَ قُلْتَ : إِنَّ الْقَدِيمَ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ؟
وَالْمَحَبَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ نَقْصًا ، بَلْ هِيَ صِفَةُ كَمَالٍ ، بَلْ هِيَ أَصْلُ الْإِرَادَةِ . فَكُلُّ إِرَادَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَسْتَلْزِمَ مَحَبَّةً ؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُرَادُ ; لِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ ، أَوْ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَحْبُوبِ . وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الْمَحَبَّةِ لَامْتَنَعَتِ الْإِرَادَةُ ; فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ لَازِمَةٌ لِلْإِرَادَةِ ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ ، وَكَذَلِكَ الْمَحَبَّةُ
هامش
( 1 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) فَقَطْ .