تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
فَطَلَبَ مِثْلَ هَذَا لِتَحْصِيلِ النِّيَّةِ مِنْ جَهْلِهِ بِحَقِيقَةِ النِّيَّةِ وَوُجُودِهَا فِي نَفْسِهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلصَّوْمِ ( 1 ) ، فَهَذَا نِيَّةُ الصَّوْمِ . وَهُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ ، وَلِهَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ ، وَعِشَاءِ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَلَيْلَةُ الْعِيدِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصُومُ ، فَلَا يُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَا يَنْوِيهِ ، وَلَا يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ . وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ، وَيَمْشِي وَيَرْكَبُ ، وَيَلْبَسُ ، إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَهَا ، وَهَذِهِ نِيَّتُهَا ، فَلَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ : أُرِيدُ أَنْ أَضَعَ يَدِيَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ لِآخُذَ لُقْمَةً آكُلُهَا ، كَانَ أَحْمَقَ عِنْدَ النَّاسِ . فَهَكَذَا مَنْ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ ( 2 ) . وَمَعَ هَذَا فَتَجِدُ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُوَسْوَسِينَ بِعِلْمٍ وَعِبَادَةٍ يَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ النِّيَّةِ أَعْظَمَ مِمَّا يَجْتَهِدُ مَنْ يَسْتَخْرِجُ مَا فِي قَعْرِ مَعِدَتِهِ مِنَ الْقَيْءِ ، أَوْ مَنْ يَبْتَلِعُ الْأَدْوِيَةَ الْكَرِيهَةَ . وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَعَارِفِ ، قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ ضَرُورِيًّا وَفِطْرِيًّا ، وَهُوَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ ; لِإِعْرَاضِهِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ ، وَعَدَمِ شُعُورِهِ بِشُعُورِهِ . فَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَقَدْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ نُفَاةِ الْمَحَبَّةِ ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ قَوْلًا صَحِيحًا ; لِمَا ظَنَّهُ مِنْ صِحَّةِ شُبُهَاتِهِمْ ، أَوْ تَقْلِيدًا لَهُمْ ، فَصَارَ يَقُولُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ ،
هامش
( 1 ) ن ، م ، و : يُرِيدُ الصَّوْمَ . ( 2 ) ن : وَالصَّوْمِ .