وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ « أَنَّ بَغِيًّا سَقَتْ كَلْبًا فَغَفَرَ اللَّهُ » ( 1 ) لَهَا بِسَقْيِهِ ( 2 ) .
قَالُوا : وَابْنَا آدَمَ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُشْرِكًا ، وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالطَّيِّبِ مِنْ مَالِهِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ . فَلِهَذَا لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ قُرْبَانَهُ .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ } [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 54 ] فَجَعَلَ هَذِهِ مَوَانِعَ قَبُولِ النَّفَقَةِ دُونَ مُطْلَقِ الذُّنُوبِ .
قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ ( 3 ) : وَمَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِيمَانَ فَلِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهِ . وَالْعِبَادَةُ يُنْفَى اسْمُهَا بِنَفْيِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا ، لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ كَامِلَةً ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ ، بَلْ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى بَعْضُهُ ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ بَعْضُهُ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِبَادَاتِ فِيهَا وَاجِبٌ كَالْحَجِّ ، فِيهِ وَاجِبٌ إِذَا تَرَكَهُ كَانَ حَجُّهُ نَاقِصًا ، يَأْثَمُ بِمَا تَرَكَ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، بَلْ يَجْبُرُهُ بِدَمٍ ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ ، وَإِنْ لَمْ يَجْبُرْهُ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ . فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ يَنْقُصُ بِالذُّنُوبِ ، فَإِنْ تَابَ عَادَ ، وَإِلَّا بَقِيَ نَاقِصًا نَقْصًا يَأْثَمُ بِهِ . وَقَدْ يَحْرُمُ فِي الْحَجِّ أَفْعَالٌ إِذَا فَعَلَهَا
هامش
( 1 ) اللَّهُ : فِي ( ن ) ، ( م ) فَقَطْ .
( 2 ) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي : الْبُخَارِيِّ 4 / 173 ( كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ ، بَابُ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ . . . . ) ، وَنَصُّهُ فِيهِ : ( بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ ) وَالْمُوقُ : الْخُفُّ . وَالْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ 4 / 1761 كِتَابُ السَّلَامِ ، بَابُ فَضْلِ سَاقِي الْمُحْتَرِمَةِ وَإِطْعَامِهَا ، وَأَوَّلُهُ فِيهِ : ( إِنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا . . . إِلَخْ ) " الْمُسْنَدُ " ( ط . الْحَلَبِيِّ ) 2 / 507
( 3 ) وَالسُّنَّةُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ح ) ، ( ب ) .