تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فَقَدْ خَاطَبَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ، وَاعْتَرَفَ الْمُخَاطَبُونَ بِأَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلٌ يَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُنْذِرُونَهُمْ لِقَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ قَالَ : { ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } أَيْ هَذَا بِهَذَا السَّبَبِ ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ كَانَ غَافِلًا مَا لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ ، فَكَيْفَ الطِّفْلُ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ ؟ . وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الظُّلْمُ هُوَ الْمُمْتَنِعَ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِظُلْمٍ ، بَلْ كَيْفَمَا أَهْلَكَهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ عِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } [ سُورَةُ الْقَصَصِ : 59 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [ سُورَةُ هُودٍ : 117 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } [ سُورَةُ طه 112 ] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : الظُّلْمُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ ، وَالْهَضْمُ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عُقُوبَتَهُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ظُلْمًا وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ 286 ] وَقَوْلِهِ : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 164 ] ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ - مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ سُورَةُ ق 28 - 29 ] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدَّمَ
منهاج السنة النبوية — صفحة 103 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم