تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وَالثَّانِي : أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهُ . وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ إِذَا قَالُوا : هُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِأَيِّ قَادِرٍ كَانَ ، فَمَا مِنْ أَمْرٍ مُمْكِنٍ فِي نَفْسِهِ إِلَّا وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقْدِرَ الْعِبَادُ عَلَى مَا لَمْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 39 ] . فَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ . وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ : هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَمْ لَا ؟ فَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ : إِنَّهُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ ، فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ هُوَ مَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ ، مِثْلَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ لَا يُعْقَلُ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الشَّيْءِ أَسْوَدَ كُلَّهُ أَبْيَضَ كُلَّهُ ، وَكَوْنُ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ . وَالْمُمْتَنِعُ يُقَالُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَعَلَى الْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ : مِثْلَ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَكَتَبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ، فَهَذَا لَا يَكُونُ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ بِخِلَافِ مَعْلُومِهِ ، وَخَبَرُهُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ ; لَكِنَّ هَذَا هُوَ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ : { بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } [ سُورَةُ الْقِيَامَةِ : 4 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } [ سُورَةُ
منهاج السنة النبوية — صفحة 289 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم