وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فَهِيَ إِنْشَاءٌ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ . وَالْأَرْجَحُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِ ، فَمَا كَانَ يُسَمِّيهِ مِثْلُهُ كَثِيرًا ، حُمِلَ مُطْلَقُ كَلَامِهِ عَلَى أَقَلِّ مَحْمِلَاتِهِ ( 1 ) . وَالْخَلِيفَةُ إِذَا قَالَ : " دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ " فِي نَذْرٍ نَذَرَهُ ، لَمْ يَكُنْ عُرْفُهُ فِي مِثْلِ هَذَا مِائَةَ دِرْهَمٍ وَنَحْوَهَا ، بَلْ هُوَ يَسْتَقِلُّ هَذَا وَلَا يَسْتَكْثِرُهُ ، بَلْ إِذَا حُمِلَ [ كَلَامُهُ ] ( 2 ) عَلَى مِقْدَارِ الدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، كَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنَّ هَذَا مِقْدَارُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا يَكُونُ عِوَضُ الْمُسْلِمِ إِلَّا كَثِيرًا .
وَالْخَلِيفَةُ يُحْمَلُ الْكَثِيرُ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يُحْمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ آحَادِ الْعَامَّةِ ، فَإِنَّ صَاحِبَ أَلْفِ دِرْهَمٍ إِذَا قَالَ : أَعْطُوا هَذَا دَرَاهِمَ كَثِيرَةً ، احْتَمَلَ عَشْرَةً وَعِشْرِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ( 3 ) بِحَسَبِ حَالِهِ . فَمَعْنَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ هُوَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الْإِضَافِيَّةِ ، كَالْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ النَّاسِ ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ كُلِّ إِنْسَانٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِحَالِهِ ( 4 ) فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ .
وَالْحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنِ الْمَسْعُودِيِّ مُنْقَطِعَةُ الْإِسْنَادِ . [ وَفِي تَارِيخِ الْمَسْعُودِيِّ مِنَ الْأَكَاذِيبِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَكَيْفَ يُوثَقُ بِحِكَايَةٍ مُنْقَطِعَةِ الْإِسْنَادِ ] ( 5 ) فِي كِتَابٍ قَدْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ الْكَذِبِ ؟ ( 6 ) مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا
هامش
( 1 ) ص : مُحْتَمَلَاتِهِ .
( 2 ) كَلَامُهُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 3 ) أ ، ب : وَنَحْوَهَا .
( 4 ) أ ، ب : بِحَالِهِ .
( 5 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 6 ) أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَسْعُودِيُّ ، الْمُؤَرِّخُ صَاحِبُ " مُرُوجِ الذَّهَبِ " ، " أَخْبَارِ الزَّمَانِ وَمِنْ إِبَادَةِ الْحَدَثَانِ " تَارِيخٍ فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا ، مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ ، أَقَامَ بِمِصْرَ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ 346 وَقِيلَ : 345 . تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " لِسَانِ الْمِيزَانِ " 4 / 224 225 ، وَقَالَ عَنْهُ : " وَكُتُبُهُ طَافِحَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا مُعْتَزِلِيًّا . . . " . وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ أَيْضًا فِي : فَوَاتِ الْوَفِيَاتِ 2 / 94 95 ، طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 3 / 456 457 ، النُّجُومِ الزَّاهِرَةِ 3 / 315 316 ، تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 3 / 857 ، الْأَعْلَامِ 5 / 87 .