بُعِثُوا بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا ، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا فَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ أَكْمَلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، وَالْمُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ انْعَكَسَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِمْ ، فَصَارُوا يَتَّبِعُونَ الْمَفَاسِدَ وَيُعَطِّلُونَ الْمَصَالِحَ ، فَهُمْ شَرُّ النَّاسِ ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ يَجْتَلِبُونَهَا ، وَأُمُورٍ يَجْتَنِبُونَهَا ، وَأَنْ يَتَدَافَعُوا جَمِيعًا مَا يَضُرُّهُمْ ( 1 ) مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَلَوْ ظَلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي دَمِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ وَحُرْمَتِهِ ( 2 ) فَطَلَبَ الْمَظْلُومُ الِاقْتِصَاصَ وَالْعُقُوبَةَ ، لَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ احْتِجَاجَهُ بِالْقَدَرِ . وَلَوْ قَالَ : اعْذُرُونِي فَإِنَّ هَذَا كَانَ مُقَدَّرًا عَلَيَّ . لَقَالُوا لَهُ ( 3 ) : وَأَنْتَ لَوْ فُعِلَ بِكَ هَذَا ( 4 ) فَاحْتَجَّ عَلَيْكَ ظَالِمُكَ بِالْقَدَرِ لِمَ تَقْبَلْ مِنْهُ .
وَقَبُولُ هَذِهِ الْحُجَّةِ يُوجِبُ الْفَسَادَ الَّذِي لَا صَلَاحَ مَعَهُ ، وَإِذَا كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ مَرْدُودًا فِي فِطَرِ جَمِيعِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمْ ، مَعَ أَنَّ جَمَاهِيرَ النَّاسِ مُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ ، عُلِمَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ لَا يُنَافِي دَفْعَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ .
وَلَمَّا كَانَ الْجَدَلُ ( 5 ) يَنْقَسِمُ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ ، وَالْكَلَامُ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ ( 6 ) ، وَكَانَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْجِنْسَ إِذَا انْقَسَمَ إِلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَشْرَفُ مِنَ الْآخَرِ ، خَصُّوا الْأَشْرَفَ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ ( 7 ) وَعَبَّرُوا عَنِ الْآخَرِ
هامش
( 1 ) ع : وَإِنْ تَدَافَعُوا جَمِيعًا مَا يَضُرُّهُمْ ; م ، ن : وَأَنْ يَتَدَافَعُوا مَا يَضُرُّهُمْ جَمِيعًا .
( 2 ) ب : فِي دَمِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حَرَمِهِ ; أ : فِي دَمِهِ وَمَالِهِ وَحُرْمَتِهِ ; م : فِي ذِمَّتِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ وَحُرْمَتِهِ .
( 3 ) لَهُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) .
( 4 ) أ ، ب : ذَلِكَ .
( 5 ) ن ، م : الْجِدَالُ .
( 6 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ع ) .
( 7 ) أ ، ب : بِالِاسْمِ الْخَاصِّ .