فَتَبَيَّنَ أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ عَلَى مُوسَى بِالْقَدَرِ مِنْ جِهَةِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُ وَلَحِقَتِ الذَّرِّيَّةَ ، وَالْمُصِيبَةُ تُورِثُ نَوْعًا مِنَ الْجَزَعِ يَقْتَضِي لَوْمَ مَنْ كَانَ سَبَبَهَا ، فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ وَسَبَبَهَا كَانَ مَقْدُورًا مَكْتُوبًا ، وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى قَدَرِ اللَّهِ وَيُسَلِّمَ لِأَمْرِ اللَّهِ ( 1 ) فَإِنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَمَرَهُ ( 2 ) اللَّهُ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } [ سُورَةُ التَّغَابُنِ : 11 ] قَالَتْ ( 3 ) طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَابْنِ مَسْعُودٍ : هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ .
[ فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْمُصَنِّفُ وَأَمْثَالُ ] هَذَا الْكَلَامِ يُقَالُ لِمَنِ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ ( 4 ) عَلَى الْمَعَاصِي ، ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ بَاطِلَةٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مَعَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ .
وَبُطْلَانُ هَذِهِ الْحُجَّةِ لَا يَقْتَضِي التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي آدَمَ مَفْطُورُونَ عَلَى احْتِيَاجِهِمْ إِلَى جَلْبِ ( 5 ) الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ ، لَا يَعِيشُونَ وَلَا يَصْلُحُ لَهُمْ دِينٌ وَلَا دُنْيَا إِلَّا بِذَلِكَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتَمِرُوا ( 6 ) وَإِنَّمَا فِيهِ تَحْصِيلُ ( 7 ) مَنَافِعِهِمْ وَدَفْعُ مَضَارِّهِمْ ، سَوَاءٌ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ أَوْ لَمْ يُبْعَثْ ، لَكِنْ عِلْمَهُمْ بِالْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ بِحَسَبِ عُقُولِهِمْ وَقُصُودِهِمْ ، وَالرُّسُلُ ( 8 ) صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ
هامش
( 1 ) ع ، ن ، م : لِأَمْرِهِ .
( 2 ) ع ، م : مَا أَمَرَ .
( 3 ) ع ، ن ، م : قَالَ .
( 4 ) ن ، م : وَيُسَلِّمُ ، وَهَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ لِمَنْ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ .
( 5 ) ن ، م : طَلَبِ .
( 6 ) ب : يَتَآمَرُوا ، م : يَأْمُرُوا .
( 7 ) أ ، ب : مُحَصَّلُ .
( 8 ) أ ، ب : وَقُصُورِهِمْ فَالرُّسُلُ . . . إِلَخْ .