وَأَعْمَالَكُمْ كُلَّهَا ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُنَاسِبًا ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَمَّهُمْ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ كَوْنِهِ خَالِقًا لِأَعْمَالِهِمْ مَا يُنَاسِبُ الذَّمَّ بَلْ هُوَ إِلَى الْعُذْرِ أَقْرَبُ .
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِأَعْمَالِ ( 1 ) الْعِبَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ الْمَعْمُولَ الَّذِي عَمِلُوهُ وَهُوَ الصَّنَمُ الْمَنْحُوتُ فَقَدْ خَلَقَ التَّأْلِيفَ الْقَائِمَ بِهِ ، وَذَلِكَ مُسَبَّبٌ مِنْ ( 2 ) عَمَلِ ابْنِ آدَمَ وَخَالِقُ الْمُسَبَّبِ ( 3 ) خَالِقُ السَّبَبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .
وَصَارَ هَذَا كَقَوْلِهِ : { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } [ سُورَةُ يس : 42 ] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّفُنَ إِنَّمَا يَنْجُرُ ( 4 ) خَشَبَهَا وَيَرْكَبُهَا بَنُو آدَمَ ، فَالْفُلْكُ مَعْمُولَةٌ لَهُمْ ( 5 ) كَمَا هِيَ ( 6 ) الْأَصْنَامُ مَعْمُولَةٌ لَهُمْ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَصْنَعُونَهُ مِنَ الثِّيَابِ ( 7 ) وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَبْنِيَةِ ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْفُلْكَ الْمَشْحُونَ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ وَمِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ - عُلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِهِمْ .
وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا الْخَشَبَ الَّذِي يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سُفُنًا وَغَيْرَ سُفُنٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُجَرَّدَ خَلْقِ الْمَادَّةِ لَا يُوجِبُ خَلْقَ الصُّورَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِأَفْعَالِ بَنِي آدَمَ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا ( 8 ) لِلصُّورَةِ .
هامش
( 1 ) ع : أَعْمَالِ .
( 2 ) ع : عَنْ .
( 3 ) ع : خَالِقٌ لِسَبَبِهِ .
( 4 ) ع : يَنْحِتُ .
( 5 ) ع : لَهُ .
( 6 ) ب فَقَطْ : كَمَا أَنَّ .
( 7 ) ع ، أ : النَّبَاتِ .
( 8 ) ع : خَلْقًا .